اللهم نسألك كما اختصمنا فيك فى الدنيا أن تجمعنا فيك فى الآخرة بما اختلفنا فيه من الحق بإذنك ، اللهم بقولك {ونزعنا ما فى صدورهم من غل} فانزعه عنا فى الدنيا قبل الآخرة {ولا تجعل فى قلوبنا غلا للذين آمنوا} ، واجعلنا ومن اختصمنا معهم فيك {أخوانا على سرر متقابلين}
------------------------------------------
------------------------------------------

مقدمة

المقصود من هذه المدونة هو بيان أهل السنة والجماعة الحقيقيين كما ذكره الجماهير المجمهرة من علماء الأمة الإسلامية سواء المتقدمين منهم أو المتأخرين ، ومن كافة أقطار الإسلام .
هذه المدونة تناقش ما تحاول أن تشيعه الوهابية على أنه من مسلمات الفكر الإسلامى وأنه محل إجماع بين علماء المسلمين ، والحقيقة ليست كذلك ، إن ما قامت به الحركة الوهابية ودعت إليه من مقولات خاصة خلال السبعين سنة الماضية هو أكبر عملية لتزييف الفكر والتاريخ الإسلامى الصحيح
لهذا لا ينبغى للإنسان أن يغلق نفسه على مقولات الوهابية ودعاة السلفية ، ويستجيب لكل ضغوطهم وإرهابهم الفكرى وتبديعهم لجماهير العلماء بل وتكفيرهم فى كثير من الأحيان .
هذه المدونة أيضا تقدم نماذج حقيقية لكيفية مناقشة العلماء للقضايا وكيفية تفهمهم لها .
علينا ألا نسمع لرأى واحد ، ونغلق أعيننا وآذاننا دون أن نسمع آراء بقية العلماء ، وهذه إحدى إشكالات الصورة الزائفة للحياة الدينية الإسلامية التى تحاول أن تصبغنا بها الوهابية : الانغلاق ، والتعميم ، وهما وجهان لعملة واحدة ، رغم الدعوى الزائفة والكاذبة بالاجتهاد التى ما أريد بها إلا ترك المستقر والثابت والصحيح واتباع بدعهم وآرائهم الشاذة وأفكارهم المغلوطة

الأربعاء، ٢٦ سبتمبر ٢٠٠٧

1- نسق أهل السنة والجماعة : (الأشعرى / الماتريدى ، المذهبى ، الصوفى)




التجديد فى علم الكلام بين نسقين
النسق السنى السائد (الأشعرى / الماتريدى ، المذهبى ، الصوفى)
والنسق التيموى / الوهابى





عصام أنس الزفتاوى




محاضرة ألقيت باتحاد الطلبة الأندونيسيين بالقاهرة
3 رجب 1428 هـ - 17 / 7 / 2007 م

بسم الله الرحمن الرحيم
مدخل :
الشيخ محمد المهدى العباسى مفتى الديار المصرية ، وشيخ الجامع الأزهر ، توفى رحمه الله تعالى 1315 هـ/ 1897 م ، كان والده الشيخ محمد المهدى الكبير قبطيا وأسلم شابا على يد شيخ الإسلام الحفنى ، والشيخ المهدى الكبير (الأب) اجتهد فى تلقى العلوم الشرعية حتى صار من كبار العلماء ، وتولى منصب إفتاء الديار المصرية حتى توفى سنة (1231 هـ)([1]) ، ثم سار ابنه الشيخ محمد المهدى العباسى على دربه حتى جُمع له منصب الإفتاء ومشيخة الجامع الأزهر أبّان نشأة الدولة المصرية الحديثة على يد محمد على باشا ومن خلفه ، وله فتاوى مجموعة فى عدة مجلدات كبار نشرت قديما باسم الفتاوى المهدية .
نسق مفتوح إلى أقصى درجة ، يمكن للإنسان أن يترقى فيه إلى أقصى ما تبلغه به إمكاناته دون حدود ، شاب قبطى يسلم برغبته ويصل إلى أعلى درجات المناصب الدينية الإسلامية بمصر ، ثم يصل ابنه لما هو أعلى منه ، منصب مشيخة الإسلام ، ويتقبله المجتمع ، وتتقبله الجماعة العلمية ، وبوفاة الشيخ المهدى أوائل القرن الرابع عشر الهجرى ، أواخر القرن التاسع عشر الميلادى الهجرى يمكن أن نؤرخ لبدء انهيار النسق السائد المفتوح .
فمن الممكن أن نعد وفاةُ الشيخ المهدى إيذانا ببداية انهيار النسق السائد ، فقد شهدت دولة الخلافة الإسلامية أزمات عميقة انتهت بإلغائها بعد سنوات قليلة ، وسرعان ما بدأ ظهور وانتشار الأنساق المغلقة أوائل القرن العشرين ، والتى تأسست قبله : الحركة الصهيونية فى الأوساط اليهودية والمسيحية وما سببته من قلاقل وفتن وحروب لم تنته بعد ، والحركة الوهابية فى الأوساط الإسلامية وما تولد منها من حركات أصولية وإرهابية نعانى جميعا منها فى البلاد الإسلامية وغير الإسلامية ، والعنصرية الغربية وما تولد منها كالحركة النازية والفاشية وما تبعها اليوم من النازيين الجدد ، والمحافظين الجدد ، وما سببته من حربين عالميتين فى القرن الماضى ، حتى نصل إلى الحروب المعاصرة ، وهى حروب فى الحقيقة نتجت عن تصادم الأنساق المغلقة .
لقد ارتفع السلام من العالم كله ، وتآكلت الأنساق المفتوحة حتى كادت أن تنهار ، ويحاول العقلاء من شتى الاتجاهات مواجهة الكارثة ، ولا حل إلا فى العودة إلى الأنساق المفتوحة مرة أخرى .
ومن الملاحظ أن ظهور الأنساق المغلقة فى الديانات السماوية والحضارات الإنسانية الحية غربا وشرقا فى أوقات متقاربة ، وامتداد تأثيرها أيضا فى أوقات متقاربة ، وذلك مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم فى الحديث المتفق عليه عن أبى سعيد الخدرى : ((لتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ الذين من قبلكم شِبرا بشبر وذراعا بذراع)) .
مفهوم النسق الفكرى :
- هناك نسق فكرى عام يتولد وينشأ شيئا فشيئا داخل المجتمع ، أو الجماعة المعينة التى تحيط بها ظروف واحدة ، وتؤثر فى هذا النسق عوامل متعددة علمية وفقهية واجتماعية وجغرافية وتاريخية .
- تنقسم الأنساق الفكرية من جهة العلاقة بالآخر إلى : نسق مفتوح – نسق مغلق . فالنسق المفتوح نقصد به ذلك النسق القادر على التعامل مع الواقع والمستجدات، والقادر على التفاعل الجيد مع المخالف فى الفكر أو العقيدة أو العِرق ، وعدم التمييز ضده على أساس فكره أو عقيدته أو عِرقه ، بل يتقبل التعامل معه فى أنشطة الحياة المختلفة والتجاور والتشارك فى المؤسسات المدنية المختلفة دون حساسية ، بحيث يتم التعامل على أسس موضوعية وعملية محضة ، فهذا التاجر مثلا أو ذلك إنما أتعامل معه لكونه أمينا لديه بضاعة جيدة حسن المعاملة ، أو لا أتعامل معه لعدم اتصافه بذلك ، ولا يكون أساس التعامل أو عدمه هو هل يتفق معى فى المذهب أو الفكر أو العقيدة . كما أن النسق المفتوح هو نسق اجتهادى ، يتفاعل مع المستجدات بدرجة عالية ، ولا ينغلق دونها . وعلى العكس من كل ذلك النسق المغلق .
- ومن الملاحظ من جهة أخرى أن النسق الفكرى العام لأهل الحواضر الكبرى التى تتعدد فيها المذاهب بل والديانات والفرق والطوائف والأعراق كالقاهرة أو الشام أو بغداد (سابقا) هو نسق مفتوح وهذا النسق المفتوح يوجد حتى عند العامة من ساكنى الحواضر وليس عند النخبة المثقفة فقط ، فلا شك أن عامة أهل القاهرة مثلا يتقبلون بتفتح وصدر رحب مختلف المذاهب والديانات ، كأهل الكتاب بطوائفهم ، رأيت التجار من جيراننا المسيحيين لا يأكلون فى نهار رمضان بمحالهم ، وينتظرون حتى يأكلون مع المسلمين وقت المغرب هذا يحدث إلى اليوم بحمد الله ، ورأيت بنفسى كبار السن الذين تجاوروا مع اليهود المصريين فى أوائل القرن العشرين قبل إنشاء الكيان الصهيونى ، وكيف يتحدثون عنهم وعن انفتاح التعامل معهم فى التجارة والجيرة والحياة عامة بكافة أنشطتها ، لا فرق بين مسلم ومسيحى ويهودى ، تماما مثلما نتعامل اليوم فى القاهرة بنسق مفتوح مع بعضنا البعض بغض النظر عن الدين أو العرق رغم المحاولات المستميتة لتدمير ذلك من أجل هدم مجتمعاتنا ، وفى المقابل نجد النسق المغلق (أو المتغالق ) كالنسق (التيموى / الوهابى) أو النسق الصهيونى أو نسق المحافظين الجدد يسعى إلى استئصال كافة المخالفين معه ، فالنسق (التيموى / الوهابى) يريد استئصال كافة المخالفين له حتى من المسلمين وليس فقط من أصحاب الديانات الأخرى .
النسق السنى السائد (الأشعرى / الماتريدى ، المذهبى ، الصوفى) :
- النسق السنى السائد تكون عبر قرون عدة ، ومن خلال جدل علمى عميق امتد زمانا على مدى أجيال وقرون ، وامتد مكانا عبر أقطار الإسلام شرقا وغربا ، وامتد فكريا على محاور مختلفة :
- جدل عقيدى بين الفرق المختلفة وبين أهل السنة ، وبين أهل السنة أنفسهم فى حكاية مذهب السلف ، وفى مناهج الاستدلال ، وفى العلاقة بين العقل والنقل ، وغير ذلك مسائل العقيدة وعلم الكلام ، ... إلخ ، ليتبلور من ذلك الطريقان الأساسيان للعقيدة عند أهل السنة : الأشاعرة والماتريدية .
- وجدل فقهى واسع بين المجتهدين فى أصول الاجتهاد وأدلة الشريعة ، بين أهل الرأى وأهل الحديث ، وبين أهل الرأى أنفسهم باتجاهاتهم ، وأهل الحديث أنفسهم باتجاهاتهم ، ثم داخل كل مذهب على أسس المذهب نفسه وفروعه ، وليتبلور من ذلك المذاهب الأربعة المعتمدة : السادة الحنفية ، السادة المالكية ، السادة الشافعية ، السادة الحنابلة .
- وجدل معرفى وحقائقى واسع بين الفقهاء والصوفية ، وبين المتكلمين والصوفية، وبين الصوفية أنفسهم ، فقد دار جدل عميق فى وسائل المعرفة والسلوك ، جدل بين الحقيقة والشريعة ، والظاهر والباطن ... إلخ ، ليتبلور من ذلك طرق التصوف المختلفة .
- وليتكون من خلال هذا الجدل وما انتهى إليه من نتائج النسق السنى السائد (الأشعرى / الماتريدى ، المذهبى ، الصوفى) ، ولم يستقر هذا تماما إلا فى القرن السابع الهجرى ، حيث بدأ تبلوره فى القرن الرابع على يد أصحاب الأئمة الأربعة وأصحاب أصحابهم فى مجال الفقه ، وعلى يد الأشعرى والماتريدى فى مجال العقيدة ، وعلى يد الجنيد فى مجال التصوف ، ويتكامل تبلور النسق جيلا بعد جيل حتى يستقر تماما فى القرن السابع ، ليصير الجماهير المجمهرة من العلماء على هذا النسق .
- ومن خلال هذا النسق تمت عملية الضبط والتقعيد والتنظير والمنهجية ووضع أطر التجديد والاجتهاد ومواجهة النوازل ، بل وطرق تطوير المناهج نفسها ، فالتجديد والاجتهاد ليس فى الفروع وحسب بل فى الأصول والمناهج نفسها ، وقدم النسق السائد نفسه نماذج جلية لهذا التطوير المنهجى من خلال علم الكلام .
التجديد :
- التجديد لغة : إعادة الشىء جديدا مرة أخرى ، واصطلاحا : التجديد إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة والأمر بمقتضاهما ، وقضية التجديد أن يعيد الشيء بصفته الأولى ([2]) ، فالتجديد هو : تجديد البناء ، وليس بناء الجديد ، هذا هو التجديد الحقيقى ، أما الهدم والنقض (وليس النقد) والبناء على أسس حضارية غير ناتجة من حضارتنا فليس من التجديد فى شىء .
- والتجديد هو حقيقة واقعة فى النسق السائد ، والدليل عليه بالمشاهدة منذ نشأة هذا النسق وإلى يومنا هذا .
- والتجديد ينبغى أن يكون من خلال ضوابط وقواعد ومناهج ، وإلا صار التجديد هدما وفوضى ، كما أنه لا ينبغى أن تصير عملية الضبط والتقعيد هى المعادل الموضوعى للجمود والتقليد ، ولا أن تصير سببا لمنع الاجتهاد .
- وعلامة التجديد الحقيقى والأصيل : أن تحب كل العلماء المتقدمين فى كل المراحل والأطوار العلمية السابقة بداية من بواكير الحركة العلمية ونهاية بأصحاب الحواشى والتقارير ، وأن تستفيد منهم ، وأن تتفهم الأسباب والظروف وواجبات الوقت التى أملت عليهم هذا الموقف أو ذاك ، وأن تستخلص من ذلك النموذج والقدرة والقوة وتنمية الملكات والاستعدادات النفسية اللازمة للاجتهاد ، عندها ستكون مجددا حقيقيا لا مدعيا ، وأحد بناة هذه الحضارة ، لا أحد هادميها .
- ولهذا فإن الانتساب إلى النسق السائد بكل تقاليده العلمية ورسوخه لا يمنع من التفكير والاستماع إلى الآخر ، والتواصل الفكرى معه ، كما لا يمنع من التواصل مع الواقع وتفهمه ومواجهة مشكلاته ، لأن طبيعة هذه النسق هى التفكير والاجتهاد والاختلاف والتنوع .
- إن تقصيرنا نحن فى التجديد لا يعنى أن علينا إلا أن نتوجه باللوم إلى أنفسنا ، وليس باللوم لعلمائنا المتقدمين الذين قاموا بواجب وقتهم ، ولم يقصروا فى مواجهة مشكلاتهم ، ولكن ما معنى أن نطالبهم بمواجهة مشكلاتنا نحن ، وعندما لا نجد إجابة لديهم على مشكلة ما تواجهنا نحن نتهمهم بالتقصير والعجز .
- إن علامة التجديد المزعوم والدعى : هو بغض العلماء المتقدمين ، والتهجم عليهم والسخرية من آرائهم ، واستنقاص جهودهم التى بذلوها فى نصرة هذا الدين ، حيث صار ذلك هو المعادل للتجديد ، وبحيث صار ذوو الدين والورع يخشون من الدعوة إلى التجديد والاجتهاد لما يرون من غلبة الأهواء وشذوذ الآراء وبغض الأئمة على مدعى التجديد ، ولهذا فإنه متى رأيت نفسك محبا لمتقدمى العلماء ومتأخريهم ، عارفا بأقدارهم ، حافظا لهم دورهم فى بناء حضارتنا ، وأن ذلك غير مانعك من الاجتهاد والتفكير فاعلم أنك على الطريق الصحيح وهو أن تكون حلقة متصلة ، وإضافة لبناء سابق ، ومتى رأيت نفسك مبغضا لهم ، مستنقصا من أقدارهم فاعلم أنك قد أخطأت الطريق ، أو اخترت طريقا آخر ، أو مكانا آخر تبدأ فيه بالبناء على غير ما بنوا .
- إن النقد العلمى الموضوعى للنسق السنى السائد (الأشعرى / الماتريدى ، المذهبى ، الصوفى) سواء النقد الداخلى أو الخارجى يؤدى بنا إلى أنه نسق مفتوح ، فالنظرة الداخلية على أسس النسق السائد وأصوله ، والنظرة الخارجية على آثاره ونتائجه تجزم بأنه بطبيعته نسق مفتوح تماما ، ولا يؤدى بأتباعه أبدا إلى الجمود بل ولا التقليد ، وإذا حدث هذا فإنه يكون بسبب ظروف خارجية وليس لطبيعة النسق فى حد ذاته ، بخلاف النسق التيموى الوهابى فإنه بطبيعته وبحد ذاته نسق متغالق .
- تكوين النسق السائد السنى (الأشعرى / الماتريدى ، المذهبى ، الصوفى) هو فى نفسه تجديد لمذهب أهل السنة وطرائقهم الفقهية والاعتقادية والسلوكية ، وإن كان لم يخرج فى مجمله عن طرائق الصحابة فى فهم النصوص ، بحيث استخدموا هذه الطرائق (الاجتهاد) فى تناول النوازل والمستجدات (التجديد) . ولم يتكلم أحد من علماء الأصول فى المدارس الأصولية الكبرى بإغلاق باب الاجتهاد بل تحدثوا عن تيسره أكثر مما مضى وخففوا شروطه ، ثم مارسوه بشكل فعلى([3]) .
- والنسق الفكرى الناتج عن التعليم الأزهرى وما يناظره هو نسق فكرى مفتوح، لأن التعليم فى الأزهر كمؤسسة لتعليم الدين الإسلامى بمذاهبه الأربعة مما يجعل الطالب منذ صغره يعتاد على وجود مذاهب أخرى ، وعلى وجود الآخر ، وعلى تقبل الخلاف ، بالإضافة إلى دراسة الفرق الكلامية فى مقررات التعليم الأزهرى ، وعلى أسلوب الجدل العقلى مع الفرق المختلفة .
- كما أن المذاهب الأربعة الفقهية المعتمدة عند أهل السنة : مذهب السادة الحنفية – السادة المالكية – السادة الشافعية – السادة الحنابلة ، تؤدى بلا شك إلى نسق فكرى مفتوح ، وإن اختلفت فى درجة ذلك ، فأقواها فى هذا الشأن المذهبين الحنفى والشافعى ، ثم المالكى ، ثم الحنبلى ، ويرجع هذا إلى وجود خلاف مذهبى منتشر داخل كل مذهب حول المفتَى به داخل المذهب نفسه فى كثير من أصول أى مذهب منها وفروعه ، ومن ثم يتربى المتبع لهذه المذاهب على تقبل الخلاف حتى وإن كان على النقيض، واتساع الصدر لهذا .
- ومن جهة أخرى فإن النسق ((الجدلى السنى الأشعرى / الماتريدى)) يؤدى أيضا إلى نسق فكرى مفتوح على الآخر ، حيث يتعرض النسق ((الجدلى السنى الأشعرى / الماتريدى)) للحوار مع الفرق بصورة موضوعية إلى حد كبير ، تعتمد على النظر فى الأدلة ، دون أن تعنى نفسها بإقامة الحكم على المخالف بكفره أو تفسيقه أو تضليله ، ولهذا ستجد فى كتب الأشاعرة جدلا واسعا مع كافة طوائف المسلمين وغير المسلمين حتى مع الديانات الوثنية ومنكرى النبوات ، ولا يزيد الحوار معهم عن نحو ((وقال البراهمة أو الفلاسفة أو منكرو النبوات كذا وكذا)) ، ونحو هذا ثم ينصب الحديث على القول ودليله وبيان ما فيه ، دون التعرض للقائل بلمز أو انتقاص . بخلاف النسق التيموى الوهابى فهو نسق ينصب نفسه حاكما على الناس ومن أول لحظة وحتى قبل أن يذكر أسباب الحكم ، انظر مثلا درء تعارض العقل والنقل للشيخ ابن تيمية تجده من الأسطر الأولى للكتاب قد حكم على خصومه بأحكام عنيفة ، ومن تربى على كتبه تصير عنده هذه المشكلة : الحكم الصارم والنهائى على المخالف .
- على أية حال : فالنسق السائد فى حقيقته لم يخرج عن المراتب الثلاثة : الإيمان (العقيدة وعلم الكلام) – الإسلام (الفقه وعلوم الشريعة) – الإحسان (التصوف وعلوم المعرفة) ، وما خدم ذلك جميعا من علوم إسلامية وعربية ، والقيام بضبط وتقعيد وتوضيح كيفية الوصول إلى هذه المراتب الثلاثة([4]).
- وبخصوص علم الكلام فمن المغالطة أن نتهم النسق السائد بالجمود فى نفس الوقت الذى نتهمه فيه بالأرسطية والتأثر بالفلسفة اليونانية ، هذه المغالطة ناتجة عن القراءة الخارجية والسطحية لنصوص العلماء ، بحيث شاع عبارة علم الكلام الفلسفى أو المتفلسف ، والمغالطة إنما هى فى عدم الالتفات إلى التباين الواسع فى المواقف العلمية بين المتكلمين والفلاسفة ، وإن اتفقت اللغة العلمية كاستخدام مصطلحات الجوهر والعرض والحدوث والقدم ... إلخ ، فاتفاق اللغة لا يعنى اتفاق المواقف ، فمثلا : العالم قديم عند بعض الفلاسفة ، وعند المتكلمين : العالم ليس بقديم بل حادث ، فشتان بين القولين ، وهكذا فى سائر المسائل ، فإنْ تفاعَلَ المتكلمون المتقدمون مع ثقافة عصرهم اتهمناهم بعدم الأصالة والتأثر بفلاسفات الغير ، ولو تصور أنهم لم يتفاعلوا مع ثقافة عصرهم لاتهمناهم أيضا بالجمود وضيق الأفق ، ولهذا علينا أن نقتدى بهم فى طريقتهم فى التفاعل والتواصل فكما تفاعلوا مع ثقافة عصرهم (الفلسفة اليونانية) فهضموها ونقدوها واستفادوا منها ، علينا الآن أن نفعل ذلك مع ثقافة عصرنا فى كل العلوم الإنسانية ، دون خوف أو وجل طالما أننا نسير فى ضوء القواعد والأسس والمفاهيم التى التزم بها العلماء([5]) .
- والصحيح أن المتكلمين من أهل السنة تفاعلوا تفاعلا صحيا وصحيحا فلم يغلقوا أنفسهم ، وأيضا لم يسلموها لغيرهم . وهذا هو المطلوب منا اليوم التفاعل الصحى والصحيح ، وليس التفاعل المريض والضعيف والخائر والمستسلم لثقافة الآخر ، أو التفاعل غير الصحيح بعدم الفهم وعدم امتلاك أدواته .
- والأطوار العلمية المختلفة التى مر بها النسق السائد إنما أتت من خلال مواكبة العلماء لما تمليه عليهم واجبات عصورهم ، وإشكالاتها ، سواء فى طرق الاستدلال أو فى طرق التصنيف ، أو فى موجهة مشكلات عصورهم ، من ثم فالحكم عليها بالنجاح وعدمه إنما هو من خلال : هل نجحت فى القيام بدورها فى زمانها ، وحلت الإشكالات التى تواجهها ، وليس من خلال : هل نجحت فى مواجهة مشكلات عصرنا نحن أم فشلت ، لأن النجاح والفشل إنما هو فينا نحن لعدم قدرتنا على هذه المواجهة ، وليس فيها لأنها لم تكتب من الأساس لها .
- لهذا فلا بد عند التجديد من تحديد مساحة الثابت والمتغير ، فالثابت هو الذى لا يتغير حكمه ، وليس بحاجة إلى إعادة جهد فى البحث والدرس والتحرير والتنقيح ، وإنما يمكن أن يكون بحاجة إلى تجديد فى أسلوب العرض والشرح . أما المتغير فهو الذى يحتاج فعلا إلى تجديد ، إما إشكالات لم تعد مطروحة فارتفعت الحاجة إليها وبعد أن كانت جزءا من العلم صارت جزءا من تاريخه ، أو إشكالات استجدت وصارت الحاجة ماسة إلى بحثها ، مثاله : الجدل مع الفرق الكلامية والطوائف ، فمن المنتقد أن نظل ندرس فى علم الكلام نفسه الجدلَ مع الفرق التى ماتت وذهب أنصارها ، ولا نتعرض للمشكلات المعاصرة التى تطرحها الاتجاهات الفكرية الحديثة .
- ومن التجديد أن ينتقل الكلام عن الفرق القديمة إلى تاريخ علم الكلام ، ويتم تحليله واستخراج القواعد والأصول التى بنيت عليه ليستخرج منها النموذج أو الإطار الجدلى الذى يمكن تعميمه أو تعديله حسب مقتضيات العصر الحديث .
- كما ينبغى أن نفرق بين الغايات والوسائل ، فاستخدام المنطق الأرسطى فى الاستدلال والرد فى علم الكلام القديم هو مجرد وسيلة من وسائل الحوار والجدل مع الفلاسفة ، وليس استعماله غاية فى نفسه ، والغاية هو بيان أن العقيدة الإسلامية لا تتعارض إطلاقا مع العقل ، بأى صورة أو منهج أو منطق حاول العقل من خلالها أن ينظم معارفه ، وينتج عن هذا ثلاثة أمور منهجية : أولها : جواز استخدام المنطق الأرسطى فى ذاته . ثانيها : تعميم ذلك بجواز استعمال أنواع المنطق الأخرى ، أو أى أساليب معرفية طرحها علم النفس الحديث تضبط وتنظم عملية المعرفة والنظر العقلى وتحفظها من الغلط ، وذلك بعد مناقشتها أولا وتصحيحها بناء على أصول العقائد الإسلامية تماما كما وقع للفلسفة اليونانية . وهكذا . ثالثها : إذا جاز استعمال المنطق الأرسطى جاز تركه أيضا ، لأن الجائز ما يستوى طرفاه : الترك والفعل ، ولهذا إذا تجاوز التطورُ العقلى الإنسانى المنطقَ الأرسطىَّ ، فلا بد أن نتجاوزه نحن أيضا ، وأن نعى أن أول من انتقده ودعا إلى تجاوزه هم المتكلمون المسلمون أنفسهم ، ولا ينبغى أن نعتقد أن المنطق الأرسطى غاية وجزء من تراثنا ينبغى الدفاع عنه .
- إن علم الكلام فى النسق السائد مر بالفعل بمراحل تجديد عامة انتقل هو فيه من طور إلى آخر ، تتطورت فيها مناهجه الكلامية ، وتنقحت مسائله وقضاياه ، ولو كان جامدا لما مر بكل هذه المراحل .
- فالنظرة الداخلية للنسق وتحليل أسسه وأصوله وقواعده ومراحل تطوره تؤكد أيضا أنه نسق مفتوح وليس مغلقا .
- ومن جهة أخرى فإنه حتى داخل الأطوار المختلفة لم يكن فى حالة جمود ، ولم يخل من المجددين ، فالنسق الفكرى الذى يخرج كبار الأئمة المجتهدين بالاجتهاد العام ، أو الاجتهاد فى علم أو عدة علوم كالفقه وعلم الكلام وأصول الفقه والحديث ... إلخ ، فهذا النسق الذى لم يتوقف عن إخراج المجتهدين فى سائر العلوم([6]) لا يمكن أن يكون بطبيعته نسقا مغلقا يؤدى إلى انغلاق أنصاره . بخلاف أنساق أخرى تكون منغلقة بطبيعتها حتى وإن حاولت الوقوف تحت راية التجديد ، فلا تمتلك مقومات التجديد ولا أدواته ، من ثم فشلت فى التجديد الحقيقى ، ووقف قصارى جهدها على هدم القائم ، لا تجديده .
فمن أعلام النسق السائد فى علم الكلام خاصة : الإمام المحاسبى ، والإمام الحسين بن علي الكرابيسي الفقيه المتكلم (ت 245 هـ) ، وأبو الحسن الأشعرى (علي بن إسماعيل بن أبي بشر ، 325 هـ) ، وأبو منصور الماتريدى ، والقفال (أبو عبد الله محمد بن علي ، ت 336 هـ) ، وأبو سهل الصعلوكى (370 هـ) ، وابن مجاهد (أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن يعقوب ابن مجاهد الطائي ، صاحب الأشعري وشيخ الباقلانى ، ت 367 هـ ) ، والباقلانى (أبو بكر محمد بن الطيّب بن محمد بن جعفر البصري المالكي الأصولي ، ت 404 هـ) ، وابن فورك ، (أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك الأصبهاني ، ت 407 هـ) ، وأبو إسحاق الاسفراييني (إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران، الشافعى الأصولي المتكلم 419 هـ) ، والحليمى ، والشيخ عبد القاهر البغدادى ، وإمام الحرمين ، والغزالى ، والشهرستانى ، والفخر الرازى ، وابن عربى الحاتمى ، والآمدى (علي بن أبي علي ، ت 631 هـ) ، وشمس الدين محمود الأصبهاني (725 هـ) ، والسنوسى (أبو عبد الله محمد بن السيد يوسف بن الحسين ، ت 895 هـ) . وانتهاء بأمثال : الشيخ بخيت المطيعى ، والشيخ يوسف النبهانى ، والشيخ الظواهرى ، والشيخ يوسف الدجوى ، والشيخ سلامة العزامى ، وعبد الله بن الصديق الغمارى، والشيخ ضياء الدين الكردى ، وجميعهم من أعلام القرن الماضى أو الحالى ، ولهم مساهمتهم القوية فى مناقشة الكثير من القضايا التى طرحت فى أوقاتهم ، بالإضافة طبعا إلى الأعلام المعاصرين الأحياء ، والذين أسهموا مساهمة ثرية فى الحركة العلمية المعاصرة .
- فالنظرة الخارجية إلى النسق السائد الراصدة لحركة أعلامه وعلمائه تنتهى إلى أن هذا النسق هو بطبيعته نسق مفتوح ، ويؤدى بالمنتسبين إليه إلى الانفتاح والاجتهاد ، والتواصل مع العصر ، من ثم فإن الجمود ليس من طبيعة هذا النسق ، وربما يقع – إذا وقع – لأسباب خارجية اجتماعية أو سياسية .
- وأقوى نموذج لانفتاح النسق السائد هو إمام الحرمين الذى تراه يصحح ويضعف ويخالف آراء من سبقه جميعا من الأشاعرة أو الشافعية أو غيرهم ، ويُقْدِم على ذلك دون خوف أو تردد أو مواربة ، تجد ذلك واضحا جليا فى مقدمات البرهان فى أصول الفقه ، وفى غيره من كتبه الكلامية ، كما أنه طرح نظريات سياسية لم يسبق إليها، وقدم آراء جديدة فيما طرحه المتقدمون عليه فى موضوعات الخلافة ، وذلك فى كتابه الحافل الغياثى .
- كما أن النسق ((الجدلى السنى الأشعرى / الماتريدى)) بنظرياته السياسية حول الإمامة والخلافة وأولى الأمر هو نسق يسعى إلى الاستقرار واستتباب النظام العام ، وأن يكون الإصلاح من خلال الاستقرار لا الثورة ، مما يؤدى إلى حضارة حقيقية ونهضة راسخة ، ولهذا فإنه عبر التاريخ فحيث شاع النسق الأشعرى فى حواضر الإسلام الكبرى قلّت القلاقل السياسية ، واستقرت الحضارة الإسلامية بما سمح لها بإكمال مسيرتها الحضارية ، وحيث شاع فى بعض البلاد النسق الخارجى (نسبة إلى الخوارج والذين تأثر بهم نسق ابن تيمية فى كثير من مقولاته) شاعت القلاقل السياسية واضطربت أحوال الأقليم ، وتراجعت الحضارة الإسلامية فيه كما فى جنوب الجزيرة العربية وبعض مناطق المغرب الإسلامى . والحقيقة أن النظرية السياسية عند الأشاعرة تحتاج إلى وقفات جادة تجلى الوجه الحقيقى لها ، وتكشف عن المغالطات الحادة التى وقع فيها العديد من هاجمها، نتيجة القراءة المتحيزة أو غير المكتملة .
النسق التيموى / الوهابى :
- منذ سنوات أتانى أحدهم ينكر على أنى شافعى المذهب فقلت له : وأنت ألبانى، ففزع الرجل فزعا شديدا وقال : أنا لست ألبانى . قلت : فقل لى مسألة واحدة خالفت فيها الشيخ الألبانى . فقال : أنا لست بألبانى ... وظل يكررها وهو يولى منصرفا ، بعد أيام جاءنى أحد أصدقائه يسأل عما حدث لصديقه حيث لازم بيته طوال هذه الأيام مذهولا لأنه اكتشف نفسه ، وأنه كان يضللها كل هذه المدة .
- فى كلام سابق لنا تكلمنا فيه عن مشكلات التصنيف فى العلوم الإسلامية([7]) ، قمنا بتحليل النموذج الألبانى ونبهنا على أنه انتهى به السير فى الناحية الفقهية إلى ما يشبه مسيرة المذاهب الأربعة : التصنيف الواسع مع ذكر الأدلة – ثم التصنيف المختصر (المتن) دون أدلة لسهولة الحفظ والتعلم ، لكن شتان بين نموذج المذاهب الأربعة الذى تناول كافة مسائل الفقه وأصوله ، وتلاقح عليه عقول أفذاذ العلماء عبر قرون طويلة ، وبين نموذج مبتسر لم يقدم أصوله ولا فروعه بصورة كاملة .
- والسؤال : هل نحن بحاجة فى الناحية الفقهية لوضع مذهب جديد يتناول كل المسائل ، أم بحاجة ماسة لتناول المستجدات والنوازل العصرية التى لا نستطيع ملاحقتها، وهل الهروب من مواجهتها إلى محاولة الاجتهاد فى مسائل فُرغ منها ولم يحدث فيها جديدٌ يستدعى إعادة الاجتهاد هل ذلك السلوك الهروبى هو اجتهاد حقيقى أو تجديد حقيقى ، الاجتهاد الحقيقى : أن تتناول مسألة من المسائل المستجدة التى لم يتكلم فيها من تقدم ، فتتناولها بالطريقة التى تناول بها فحول العلماء ما عرض عليهم من مسائل ، فتعرف كيف تجمع أدلتها ، وكيف تُخَرِّجها وتقيسها ، فتقف على نظائرها وأشباهها ، وتستخرج أصلها ، وتسبر أوصافها ، وتستخلص علتها ، أما ما يجرى الآن من التماس المنفعة العامة أو تجنب الضرر أو مراعاة ما هو الأرفق بالناس كما يحدث فى كثير من الاجتهادات الفقهية المعاصرة فهو قصور فقهى وليس باجتهاد حقيقى ، وإنما يُلجأ لقواعد الشريعة العامة من مراعاة المصلحة ... إلخ عند العجز عن الوصول إلى الدليل الخاص فى المسألة ، وعلى ما يبدو فإن هذا العجز أصبح ملازما لكثير من الاجتهادات المعاصرة .
- قارن هذا بأعلام النسق السائد فى القرن الماضى مثلا كالشيخ العلامة محمد بخيت المطيعى مفتى الديار المصرية ، والذى يعد نموذجا جليا للقدرة الحقيقية على الاجتهاد والتخريج الفقهى السليم ، وقد تناول فى فتاويه ورسائله ومؤلفاته كثير من مشكلات عصره .
- ومن جهة أخرى فإن ((النسق التيموى / الوهابى)) هو نسق شديد الانغلاق ، بل يمكن أن نسميه النسق المتغالق ، بحيث يتكون عند المتبع له منهج يدعو إلى الانغلاق شيئا فشىء حتى ينغلق الإنسان على نفسه تماما بحيث لا يرى الحق إلا فيما يراه هو نفسه وحسب ، ولا يسمح بأى مساحة من التعدد حتى مع أمثاله من أتباع النسق التيموى ، وهذا ما نجده بالفعل فى النماذج المتطرفة من شيوخ المتمسلفة ودعاتهم ، حيث يدعو كل منهم إلى نفسه وقد رأينا أناسا من جماعة التكفير والهجرة لا يصلى بعضهم وراء بعض لأن كلا منهم يكفر الآخر ، بل قد رأينا منهم من يرفض حتى نفسه ، فيعلن أنه قد كفر بقوله فيما سبق بكذا وكذا وهو الآن تائب ، ولهذا ((فإن النسق التيموى / الوهابى)) كما قلنا : نسق متغالق .
- ولا شك أن هذا التغالق هو فى الأساس ناتج قراءة منغلقة (قراءة محمد بن عبد الوهاب) لفكر يحمل فى طياته أسس الانغلاق (فكر ابن تيمية) ، ولو أن ابن تيمية قُرئ قراءة منفتحة لخُرِجَ منه بنسق آخر ليس بهذه الدرجة من القتامة والانغلاق . ولكن القراءة المنغلقة الوهابية قامت بانتقاء وانتخاب كل الأسس الانغلاقية عند ابن تيمية واستبعاد كل الأسس الانفتاحية ، بحيث خرجت القراءة الوهابية من ذلك بنسق منغلق انغلاقا محضا ، ثم قامت كل الحركات الأصولية النابعة من النسق المغلق الوهابى بمحاولات عدة لتنقية النسق الوهابى المغلق من أى شائبة انفتاح من هنا أتت أنساقهم المتغالقة ، ولهذا إذا طالعت مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب ستجده أكثر انفتاحا من أتباعه وكلما مضى جيل منهم ازدادوا تشددا وانغلاقا ورفضا للآخر .
- ويمكن فى إشارات سريعة أن نبين بعض نواحى الانغلاق فى ((النسق التيموى / الوهابى)) فالمفهوم المغلق للسنة والبدعة – وهو مفهوم يخالف السنة نفسها – أدى بانغلاقه إلى رفض جانب كبير من السنة ذاتها ، أو عدم فهم معانيها على وجه صحيح ، والمفهوم المغلق للمراد بالطائفة المنصورة ، والمراد بأهل السنة والجماعة ، والمفهوم المغلق لعلاقة العقل بالنقل .
- بل إن من أعجب التناقضات فى ((النسق التيموى / الوهابى)) هو المفهوم المغلق للاجتهاد ، فبينما يدعو ((النسق التيموى / الوهابى)) إلى الاجتهاد ، فإنه يقدس مؤسسيه : ابن تيمية وابن عبد الوهاب فلا يمكن المساس بهما ، بحيث تحولا فى هذا النسق إلى أوثان فكرية .
أين نحن الآن :
- إدراك المشكلة هو أهم خطوة فى طريق الحل . ولا شك أننا أدركنا وجود مشكلة فى العرض والتصنيف وطريقة الكتابة – أدركنا وجود مشكلة فى قدرتنا على فهم التراث – قمنا خلال العقود الماضية بجهود كبيرة للفهم وتيسير أدواته – أدركنا وجود مشكلات معاصرة يجب علينا نحن أن نواجهها ، وقمنا بمحاولات كثيرة لمواجهتها، وليس على كتب التراث من ضير ألا تقدم حلا شاملا لعصرنا لأنه يكفيها أنها نجحت فى مواجهة عصرها ، وأنها قدمت لنا مناهج ونماذج للمواجهة ونماذج لإنشاء المناهج وتطويرها بحسب مقتضى الحال ، أما مواجهة عصرنا فهو واجبنا نحن وبالأدوات والمناهج المناسبة له من خلال استقراء تام لعلومنا ومن خلال بناء أصيل وعميق على أسس من حضارتنا الإسلامية .
- فأنصار النسق السائد يواجهون إشكالات وتحديات عظيمة على رأسها : ضرورة فهم أسس هذا النسق الذى ينتمون إليه فهما جيدا وناضجا ، على أننا ينبغى ألا نظل حبيسى هذه المرحلة مرحلة الفهم ، وينبغى أن نحسنها لننتقل لما بعدها .
- كما ينبغى علينا التمييز الصحيح والحقيقى بين الثابت والمتغير فى المسائل التى سبق طرحها فى علم الكلام .
- علينا القيام بتحليل أدوات هذا النسق ومناهجه ، وتنظيره وتقعيده بحيث يمكن تناول الجديد من المسائل فى ضوء ذلك ، فعلم الكلام مثلا ما زال بحاجة إلى تحليل وتفكيك بحيث نصل إلى علم أصول الكلام الذى يكون لعلم الكلام كعلم أصول الفقه للفقه .
- كما أنه بحاجة إلى تقعيد بحيث نصل إلى علم قواعد الفقه بحيث يكون هناك علم قواعد الكلام كعلم قواعد الفقه للفقه .
- وبحاجة إلى وضع علم التخريج الكلامى مثل علم التخريج الفقهى ، والذى يمكن من خلاله أن نقوم بعملية التخريج الكلامى وبيان رأى النسق الأشعرى فى القضايا المستجدة بناء على أسس المذهب نفسه وأصوله وقواعده ، وفى إطار عملية تخريج واجتهاد علمية منضبطة . فأدوات الاجتهاد الكلامى ينبغى ألا تقل فى تنظيمها ودقتها عن أدوات الاجتهاد الفقهى ، وبهذا نكون قادرين على الاجتهاد الكلامى الصحيح والأصيل والمعاصر فى الوقت نفسه .
- وبحاجة إلى دراسة المشكلات المعاصرة وحصرها ، ودراسة المناهج العقلية والمنطقية الحديثة والاستفادة منها فى قضايا علم الكلام .
- ولا بد من قراءة متأنية لجهود المتكلمين لاستخراج هذه الأصول والقواعد والتخريج عند كل متكلم ، ثم نعود فنستخلص من ذلك المتفق والمختلف بينهم ، فكما عندنا فى الشافعية : مؤسس المذهب ، وأصحابه ، وأصحاب الوجوه ، وأصحاب الطرق، وأصحاب الاجتهاد المذهبى ، ومحررو المذهب ، وأصحاب المتون المعتمدة ، ثم طبقة الشراح ثم طبقة المحشون ، فإننا سنجد نظير هؤلاء فى الأشاعرة : فمؤسس المذهب أبو الحسن الأشعرى ، ثم طبقة أصحابه الذين تلقوا منه ، ثم طبقة أصحاب الوجوه كالباقلانى وابن فورك ، ثم طبقة أصحاب الطرق كإمام الحرمين ، ثم طبقة مجتهدى المذهب كالغزالى والفخر الرازى والآمدى ، ثم طبقة محررى المذهب كالعضد والسعد والشريف والبيضاوى ، ثم طبقة أصحاب المتون المعتمدة كالسنوسى ، واللقانى ، والدردير ، ثم طبقة الشراح وأصحاب الحواشى مما نعرفهم جميعا .
- إذن هناك ثلاثة علوم أدعو إلى إنشائها : أصول علم الكلام – قواعد علم الكلام – التخريج الكلامى ، لأن إنشاء هذه العلوم سيحتاج إلى جهود كبيرة ومتنوعة ، وحتى لا يظل كلامنا حبيس المستوى النظرى ، أو طليق المستوى الصوتى فيذهب أدراج الرياح ، فإنى أدعو إلى تنظيم ورش عمل كلامية ، يمكن بالفعل أن ننتقل من خلالها بهذه الأفكار من حيز القوة إلى حيز الفعل .
- وهذا هو الذى ينقص الجهود المعاصرة متابعة العمل ، والانتقال من مرحلة إلى أخرى ، ووجود الحركة العلمية المتفاعلة والمؤثرة ، فمثلا : اعتبار أصول الفقه من علوم الفلسفة الإسلامية هى فكرة أطلقها الشيخ مصطفى عبد الرازق رحمه الله تعالى ، تطورت ببطء لتصير أكثر تخصصا على يد أساتذتنا بالمناداة باعتبار أصول الفقه هو المنطق الإسلامى ، ولكن لا بد من تشغيل حقيقى لهذه الفكرة والعمل عليها ، فأصول الفقه معرفة دلائل الفقه إجمالا ، وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد ، إذن – وبلغة منطقية - كيف نحول أداة تعصم ذهن الفقيه عن الخطأ فى إدراك الحكم الشرعى ، إلى أداة تعصم ذهن المسلم عن الخطأ فى الفكر . هذه عملية علمية معقدة ومتشابكة تحتاج إلى جهود كبيرة للوصول إليها . كيف نحول علما من الخاص (الفقه) إلى العام (الفكر) ، ماذا سنأخذ منه ، وماذا سنضيف إليه .
- أظن أننا فيما قدمنا طرحنا صورة يمكن بحق من خلالها أن نكون بناة ومتواصلين : حيث استفدنا من أصول التراث وتواصلنا معها . وأن نكون مجددين ومعاصرين حيث واجهنا مشكلات العصر ، ولم نهرب منها ، ولم نخف من مواجهتها .
- وهذا يمثل عبئا ضخما ، ويحتاج إلى عمل علمى منظم ربما على مدى عقود ، ويحتاج إلى تحاور مستمر ، وفكر حر قادر على التحرك الفعال وتعديل المسار دائما .
- فهل نحن قادرون على تحمل هذا العبء والقيام بنهضة علمية حقيقية نابعة من حضارتنا فى أصالة حقيقية ، مواكبة لزماننا وقادرة على مواجهة مشكلاته فى معاصرة حقيقية أيضا ، بحيث لا تصير الأصالة غطاء أو معادلا موضوعيا للتقليد والجمود ، ولا تصير المعاصرة غطاء أو معادلا موضوعيا لهدم حضارتنا أو الانزلاق وراء حضارة الآخر والاستسلام الحضارى له .
نموذج من علم الكلام على أن النسق السائد هو نسق مفتوح
ألف الإمام فخر الدين الرازى كتابه أساس التقديس فى قضية المتشابهات والتأويل ، ومال فيه إلى تأييد مذهب السلف، والذى حاصله أن هذه المتشابهات يجب القطع فيها بأن مراد الله تعالى منها شىء غير ظواهرها ، ثم يجب تفويض معناها إلى الله تعالى ، ولا يجوز الخوض فى تفسيرها ، وقال جمهور المتكلمين : بل يجب الخوض فى تأويل تلك المتشابهات ، ثم أخذ الإمام الرازى فى تقرير مذهب السلف ، وبيان الأدلة على صحته ، ومذهب السلف مبنى على قاعدة مهمة : أنه يجوز أن يحصل فى كتاب الله تعالى ما لا سبيل لنا إلى العلم به ، وبه قال كثير من الفقهاء والمحدثون والصوفية ، كالحروف المقطعة أوائل السور ، بدليل قوله تعالى {وما يعلم تأويله إلا الله} بالوقف اللازم ، كما أنه تعالى – على ما يذكر الرازى - قد كلفنا بما لا نعرف وجه الحكمة فيه من الأفعال كالحج ، فكذلك فى الأقوال ويكون المقصود من إنزاله والتكليف بقراءته وتعظيمه ظهور كمال العبودية والانقياد لله تعالى ، وأيضا الإنسان إذا وقف على المعنى وأحاط به سقط وقعه عن القلب ، وإذا لم يقف على المعنى يبقى قلبه ملتفتا إليه أبدا ومتفكرا فيه أبدا ، ولباب التكليف اشتغال السر بذكر الله تعالى والتفكر فى كلامه . وأنكر المتكلمون ذلك لقوله تعالى {تبيانا لكل شىء} ونحوه من الآيات .
فالنظرة السطحية المتسرعة ربما حكمت على مذهب السلف فى المتشابه بأنه نسق مغلق ، ولكن مذهب السلف كما فهمه الأشعرية ونقلوه وقرروه ليس كذلك ، بل هو نسق مفتوح يقول الإمام فخر الدين الرازى : ((واعلم أن العلماء المحققين ذكروا أنواعا من الفوائد فى إنزال المتشابهات :
الأول : أنه متى كانت المتشابهات موجودة كان الوصول إلى الحق أصعب وأشق ، فزيادة المشقة توجب زيادة الثواب ، قال تعالى {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} .
والثانى : لو كان القرآن كله محكما لما كان مطابقا إلا لمذهب واحد فكان على هذا التقدير تصريحه مبطلا لكل ما سوى هذا المذهب ، وذلك مما ينفر أرباب سائر المذاهب عن قبوله وعن النظر فيه والانتفاع به ، أما لما كان مشتملا على المحكم والمتشابه فحينئذ يطمع صاحب كل مذهب أن يجد فيه ما يقوى مذهبه ويؤيد مقالته فحينئذ ينظر فيه جميع أرباب المذاهب ويجتهد فى التأويل كل صاحب مذهب ... .
والثالث : أن القرآن إذا كان مشتملا على المحكم والمتشابه افتقر الناظر فيه إلى الاستعانة بدلائل العقل والاستكثار من سائر العلوم وحينئذ يتخلص عن ظلمة التقليد ، ويصل إلى ضياء الاستدلال والحجة .
والرابع : أن القرآن لما كان مشتملا على المحكم والمتشابه افتقر إلى تعلم طريق التأويلات وترجيح بعضها على بعض وافتقر فى تعلم ذلك إلى تحصيل علوم كثيرة من علم اللغة والنحو ، وعلم أصول الفقه ومعرفة طريق الترجيحات ، ولو لم يكن القرآن مشتملا على هذه المتشابهات لم يفتقر إلى شىء من ذلك))([8]).
ودلالة الكلام على أن النسق السائد هو نسق مفتوح واضحة لا تحتاج إلى مزيد بيان .
([1]) انظر ترجمته : عجائب الآثار للجبرتى (2/443) .
([2]) فيض القدير (2/281) ، مغنى المحتاج (1/46) .
([3]) تناولنا هذا الموضوع فى مقدمة جامع الأحاديث ، ط دار الإفتاء المصرية ، حيث قمنا بعمل استقراء واسع لنصوص علماء أصول الفقه من مختلف المدارس والمذاهب ، وبينا أنه لم يغلق أحد منهم باب الاجتهاد بل يسروا أسبابه وشروطه .
([4]) وقد تحدثت عن ذلك بشىء من تفصيل فى مقدمة جامع الأحاديث .
([5]) فلو أن باحثا استنفر لدراسة أحد المذاهب الفلسفية المعاصرة ونقدها فى ضوء قواعد علم الكلام ، واستفاد منها ، واستخدم بعض مصطلحاتها فى أثناء الجدل معها ، فهل يحمد له ذلك أو يذم .
([6]) عقد الإمام السيوطى فى حسن المحاضرة فى أخبار مصر والقاهرة فصولا ذكر فيها ما يتضح منه أن مصر لم تخل من الأئمة المجهتدين من عصر التابعين وإلى عصره ، بخلاف من كان بها من أئمة الفقه والحديث والتفسير والقراءات واللغة والنحو والمعقولات ، هذا فى قطر واحد من أقطار الإسلام فما بالك بغيره .
([7]) نشر بمجلة المسلم المعاصر ، كما أنه منشور ألكترونيا بموقعنا على شبكة الإنترنت .
([8]) أساس التقديس (ص 190 – 191) باختصار .

ليست هناك تعليقات: