اللهم نسألك كما اختصمنا فيك فى الدنيا أن تجمعنا فيك فى الآخرة بما اختلفنا فيه من الحق بإذنك ، اللهم بقولك {ونزعنا ما فى صدورهم من غل} فانزعه عنا فى الدنيا قبل الآخرة {ولا تجعل فى قلوبنا غلا للذين آمنوا} ، واجعلنا ومن اختصمنا معهم فيك {أخوانا على سرر متقابلين}
------------------------------------------
------------------------------------------

مقدمة

المقصود من هذه المدونة هو بيان أهل السنة والجماعة الحقيقيين كما ذكره الجماهير المجمهرة من علماء الأمة الإسلامية سواء المتقدمين منهم أو المتأخرين ، ومن كافة أقطار الإسلام .
هذه المدونة تناقش ما تحاول أن تشيعه الوهابية على أنه من مسلمات الفكر الإسلامى وأنه محل إجماع بين علماء المسلمين ، والحقيقة ليست كذلك ، إن ما قامت به الحركة الوهابية ودعت إليه من مقولات خاصة خلال السبعين سنة الماضية هو أكبر عملية لتزييف الفكر والتاريخ الإسلامى الصحيح
لهذا لا ينبغى للإنسان أن يغلق نفسه على مقولات الوهابية ودعاة السلفية ، ويستجيب لكل ضغوطهم وإرهابهم الفكرى وتبديعهم لجماهير العلماء بل وتكفيرهم فى كثير من الأحيان .
هذه المدونة أيضا تقدم نماذج حقيقية لكيفية مناقشة العلماء للقضايا وكيفية تفهمهم لها .
علينا ألا نسمع لرأى واحد ، ونغلق أعيننا وآذاننا دون أن نسمع آراء بقية العلماء ، وهذه إحدى إشكالات الصورة الزائفة للحياة الدينية الإسلامية التى تحاول أن تصبغنا بها الوهابية : الانغلاق ، والتعميم ، وهما وجهان لعملة واحدة ، رغم الدعوى الزائفة والكاذبة بالاجتهاد التى ما أريد بها إلا ترك المستقر والثابت والصحيح واتباع بدعهم وآرائهم الشاذة وأفكارهم المغلوطة

الجمعة، 20 فبراير، 2009

25- تنزيه المولى تعالى عن صفات الحدث كالجسمية والمكانية والجهة عند أهل السنة من خلال كلام الصابونى

يقول الإمام نور الدين أحمد بن محمود بن أبى بكر الصابونى (ت 580 هـ) صاحب البداية فى أصول الدين ، والذى ربما عرف أيضا بنور الدين البخارى([1]) :
((القول فى تنزيه الصانع عن سمات الحدث : ثم إن صانع العالم يستحيل أن يكون جسما أو ذا صورة أو فى جهة أو مكان ، وزعمت اليهود وغلاة والروافض والمشبهة والكرامية أنه جسم . وهشام بن الحكم يصفه بالصورة ، وقالت المشبهة والكرامية إنه متمكن على العرش . وقال بعضهم : إنه على العرش لا بمعنى التمكن ، ولكن يثبتون جهة فوق . وقالت النجارية : إنه بكل مكان بالذات . وقالت المعتزلة : إنه بكل مكان بالعلم لا بذاته .
وكل ذلك فاسد لأن فيه أمارات الحدث، فإن الجسم مجتمع ، وكل مجتمع يجوز افتراقه، وكذا يكون مقدرا بمقدار يتصور أن يكون أكبر منه أو أصغر ، فاختصاصه بهذا القدر لا يتصور إلا بتخصيص مخصص ، وكذا الصور مختلفة واجتماعه على الكل محال ، وتخصيص البعض لا يكون إلا بمخصص. وكذا لو كان متمكنا على العرش لا يتصور إلا أن يكون مقدرا بمقداره أو أصغر منه أو أكبر ، فإن كان مقدرا بمقداره أو أصغر منه فلا بد أن يكون محدودا متناهيا ، والتناهى من أمارات الحدث، وإن كان أكبر منه فالقدر الذى يوازى العرش يكون مقدرا بمقداره ، فلزم أن يكون متبعضا متجزئا، ثم لا بد وأن يكون متناهيا من جهة السفل حتى يكون متمكنا عليه ، وما جاز عليه التناهى من جهة جاز من سائر الجهات .
ولأن التعرى عن المكان والجهة كان ثابتا فى الأزل لإجماع بيننا وبين الخصوم على أن ما سوى الله تعالى محدث ، فلو ثبت التمكن والجهة بعد أن لم يكن ثابتا فى الأزل لحدث فى ذاته معنى لم يكن له فى الأزل، فتصير ذاته محلا للحوادث ، وأنه محال.
وقوله تعالى {الرحمن على العرش استوى} محتمل ، فإن الاستواء يذكر ويراد به الاستيلاء ، ويراد به التمام ، ويراد به الاستقرار ، ويراد به التقدير ، ويراد به القصد ، ويراد به التمكن والاستقرار ، فلا يكون للخصم فيه حجة مع الاحتمال .
مع أن الترجيح كما قلنا : إنه تعالى تَمَدَّحَ به ، ولو ذكر الاستواء للمدح فى حق الخلق، لا يفهم منه التمكن والاستقرار ، وكما قال الشاعر :
قد استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراق
وتحقيق ذلك أن التمدُّح بما يمتاز به عمن لا يدانيه لا يساويه ، والاستواء بمعنى التمكن يساويه فيه كل دنىء وحقير ، فلا يكون فيه كثير مدح .
وقول من قال : إنه بكل مكان أفسد ، لأن المتمكن فى مكان واحد يستحيل أن يكون فى مكانين فى حالة واحدة ، فمن استحال عليه التمكن كيف يتصور أن يكون فى الأماكن كلها .
وكذا قول من قال : إنه بكل مكان بالعلم لا بذاته باطل أيضا ، لأن من يعلم مكانا لا يصح أن يقال هو فى ذلك المكان بالعلم .
وكذا القول بالجهة باطل أيضا ، لأن وجوده فى سائر الجهات محال ، وتخصيص بعض الجهات لا يكون إلا بمخصص .
ولأن من كان بجهة من الشىء لا بد وأن يكون بينهما مسافة مقدرة ، يتصور أن تكون أزيد من ذلك أو أنقص فلا بد من مخصص لذلك القدر مع مساواة غيره إياه فى الجواز .
ثم نقول : لا تمدح فى الفوقية من حيث الجهة ، إذ الحارس فوق السلطان من حيث الصورة ، والسلطان فوقه من حيث المرتبة المنزلة .
وكذا الجواب عن قوله {وهو القاهر فوق عباده} فإنه لا يكون تمدحا بالفوقية من حيث الجهة .
ورفع الأيدى إلى السماء فى وقت الدعاء تعبد ، كوضع الجبهة على الأرض فى السجود ، والاستقبال إلى الكعبة فى الصلاة .
وللمجسمة والمشبهة آيات وأخبار يتمسكون بظاهرها ، ولأهل السنة فيها طريقان :
أحدهما : قبولها وتصديقها ، وتفويض تأويلها إلى الله تعالى ، مع تنزيهه عما يوجب التشبيه ، وهو طريق سلفنا الصالح .
والثانى : قبولها والبحث عن تأويلها على وجه يليق بذات الله تعالى ، موافقا لاستعمال أهل اللسان ، من غير قطع بكون مراد الله تعالى ، وهو طريق الخلف . وطريقة السلف أسلم ، وطريقة الخلف أحكم(
[2]) .
([1]) الصابونى (نور الدين أحمد بن محمود بن أبى بكر ، ت 580 هـ) ، صاحب كتاب البداية من الكفاية فى الهداية فى أصول الدين ، تحقيق أ/د فتح الله خليف ، القاهرة : دار المعارف ، 1969 م ، 174 ص . طبعة أخرى : تحقيق د/ بكر طوبال أوغلى، دمشق : مط محمد هاشم الكتبى، 1396 هـ / 1979 م ، 224ص. انظر عنه وعن كتابه البداية : - د/ فتح الله خليف ، مقدمة تحقيقه لكتاب البداية ، (ص 3- 26) . - د/ بكر طوبال أوغلو ، مقدمة تحقيقه البداية فى أصول الدين (ص 9 - 13) .
([2]) انظر الصابونى (نور الدين أحمد بن محمود بن أبى بكر ، ت 580 هـ) ، البداية من الكفاية فى الهداية فى أصول الدين ، تحقيق أ/د فتح الله خليف ، القاهرة : دار المعارف ، 1969 م ، (ص 44 - 49) .

ليست هناك تعليقات: