اللهم نسألك كما اختصمنا فيك فى الدنيا أن تجمعنا فيك فى الآخرة بما اختلفنا فيه من الحق بإذنك ، اللهم بقولك {ونزعنا ما فى صدورهم من غل} فانزعه عنا فى الدنيا قبل الآخرة {ولا تجعل فى قلوبنا غلا للذين آمنوا} ، واجعلنا ومن اختصمنا معهم فيك {أخوانا على سرر متقابلين}
------------------------------------------
------------------------------------------

مقدمة

المقصود من هذه المدونة هو بيان أهل السنة والجماعة الحقيقيين كما ذكره الجماهير المجمهرة من علماء الأمة الإسلامية سواء المتقدمين منهم أو المتأخرين ، ومن كافة أقطار الإسلام .
هذه المدونة تناقش ما تحاول أن تشيعه الوهابية على أنه من مسلمات الفكر الإسلامى وأنه محل إجماع بين علماء المسلمين ، والحقيقة ليست كذلك ، إن ما قامت به الحركة الوهابية ودعت إليه من مقولات خاصة خلال السبعين سنة الماضية هو أكبر عملية لتزييف الفكر والتاريخ الإسلامى الصحيح
لهذا لا ينبغى للإنسان أن يغلق نفسه على مقولات الوهابية ودعاة السلفية ، ويستجيب لكل ضغوطهم وإرهابهم الفكرى وتبديعهم لجماهير العلماء بل وتكفيرهم فى كثير من الأحيان .
هذه المدونة أيضا تقدم نماذج حقيقية لكيفية مناقشة العلماء للقضايا وكيفية تفهمهم لها .
علينا ألا نسمع لرأى واحد ، ونغلق أعيننا وآذاننا دون أن نسمع آراء بقية العلماء ، وهذه إحدى إشكالات الصورة الزائفة للحياة الدينية الإسلامية التى تحاول أن تصبغنا بها الوهابية : الانغلاق ، والتعميم ، وهما وجهان لعملة واحدة ، رغم الدعوى الزائفة والكاذبة بالاجتهاد التى ما أريد بها إلا ترك المستقر والثابت والصحيح واتباع بدعهم وآرائهم الشاذة وأفكارهم المغلوطة

السبت، 15 ديسمبر، 2007

23 - ابن تيمية فى رأى علماء الأزهر الشريف السابقين - الشيخ المطيعى نموذجا

للشيخ المطيعى علامة مصر وفقيهها فى القرن الماضى ، مقدمة لطيفة قدم بها لكتاب شفاء السقام فى زيارة خير الأنام للسبكى ، وهذه المقدمة تتعلق بعلم الكلام ، وقد سماها : تطهير الفؤاد من دنس الاعتقاد([1]) .

ورغم صغر حجم الرسالة ، وعدم استيعابها لمسائل علم الكلام ، إلا أن لها أهميتها فى مجال كلامنا ، لما امتازت به من منهج يعبر عن موقف عقدى واضح ومتميز بناء على موقف أهل السنة والجماعة الحقيقى وليس المدعى الذى تتشدق به الوهابية :

1- فقد بدأ المصنف رحمه الله تعالى موقفه الكلامى من الوجود ليتوصل منه إلى وجوب العمل بالشرائع ، وهو حين يبدأ من الوجود ، يبدأ من أخص وجود يدركه الإنسان وهو وجوده نفسه فيقول : ((إن الله جل شأنه جعل لكل إنسان نفسا دراكة يصدّق بوجودها بالضرورة ، ويخفى عليه كنهها ، وكيفية إدراكها ، فلذلك ضرب الله لإدراكها حقائق الأشياء فى عالم الملك مثلا تقاس هى عليه ، فأوجد فيه عينا تدرك المبصرات ليكون إدراك العين للمبصرات مثالا لإدراك النفس لحقائق الأشياء ، حتى يكون الإنسان من نفسه على بصيرة ... وكما أن العين لا تبصر الأشياء إلا إذا أشرق عليها النور ، وخرجت من الظلمات وارتفعت الحجب ، كذلك النفوس لا تدرك حقائق الأشياء إلا إذا أشرق عليها نور التعليم الذى جاء به الرسل عليه الصلاة والسلام ... وكما لا يقف على أمراض العيون وأنواعها ... إلا الطبيب الحاذق ... كذلك لا يقف على أمراض النفوس ... إلا العالم بكنه النفس وكنه أمراضها وكيفية اتصالها بالبدن والأدوية اللازمة لها وما ذلك إلا الله جل شأنه {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} ... فيجب على العاقل أن يعرض جميع أفعاله وأقواله على قانون الشرع ويجعلها مطابقة له أمرا ونهيا وإلا هلكت نفسه ...))([2]) .

2- وقد استخدم هذا المنهج النظر إلى الوجود فى نقد بعض القضايا المعاصرة ، مثل موقف قاسم أمين من حجاب امرأة ورأيه أن حجابها منعها من التعلم ، ويتعقبه الشيخ المطيعى بقوله : ((عند تدقيق النظر لا يرى العقلاء علاقة بين الحجب والتربية المذكورة ، فإن الحجاب لا يمنعها ، وعدم الحجب لا يستلزمها ، بل المدار فى ذلك على التعليم ، والحس شاهد عدل ، فإن أكثر الرجال (يعنى فى زمانه) مع عدم الحجاب تراهم لا يعرفون شيئا مما ذكر ، وكثير من النساء مع الحجاب يعرفن واجباتهن وما به يتكسبن ويقدرن على حاجاتهن المعاشية ...))([3]) .

3- ثم ينتقل بعد ذلك إلى ما يوضح به منهجه الكلامى فيقول : ((والذى أجمعت عليه الأمة الإسلامية وصار من القضايا الأولية أن أكبر النفوس وأكملها نفوس الأنبياء والرسل ، فهى المعصومة عن الخطأ والزلل والغفلة والبلادة والخيانة والتعصب والميل مع الأهواء والأغراض {الله أعلم حيث يجعل رسالته} ، ويليهم فى ذلك الأصحاب لأنهم أخذوا عنهم ذلك مباشرة ، فكل ما بينوه حق يتبع فهم أيضا محفوظون عما ذكر لا يخالف أحدهم الآخر لتعصب أو هوى أو غرض فى النفس ، وإنما أقوالهم واجتهادهم بساط الشرع الذى بسطه لخلقه فضلا منه ورحمة {محمد رسول الله والذين معه} الآية ، ويلى الأصحاب فى ذكر التابعون ، ويلى التابعين تابعو التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين))([4]) .

4- ثم يبين لنا منهم هم العلماء المقتدى بهم ، وما هى صفاتهم وشروطهم :((فمن كان من العلماء فى العصور السالفة أو فى هذا العصر متمسكا بما جاء به النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه والسلف الصالح عليهم الصلاة والسلام فى أقواله وأفعاله بدون أن يخالفهم فى شىء من أصول الدين اعتقادا وعملا فطنا ذكيا واقفا عند حدود الشرع لا يخاف فى الله لومة لائم لا تزحزحه عن الحق عواصف الأغراض والأهواء بدون أن يبدى على ذلك أدنى ملاحظة واعتراض ، غير مسترسل مع عقله ، مستعملا له فى فهم ما ورد واقفا عنده ، لا يخرج عن مذاهب الأئمة المجتهدين رضوان الله عليهم أجمعين -: علمنا أن هذا العالم هو الموفق ، الذى تقبل أقواله ، ويقتدى به فيها ، وفى أفعاله ، لأنه علم ، واستعمل الدواء النافع الذى وضعه الله للنفوس لتحفظ به عن الخطأ فى إدراكها للحقائق ووقوفها مع الحق ، فامتثل الأمر ، واجتنب النهى ، وحفظ نفسه أو شفاها من الأسقام والعلل العائقة لها عن الإدراك فلم يخرج عن قواعد الشرع فى عقائده وأقواله وأعماله فلا يدرك إلا حقا ، ولا يقول إلا صدقا ، ولا يفعل إلا صوابا {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} ... ))([5]) .

5- ثم تكلم عمن لا يقبل قوله ولا يقتدى به ، وبين صفاتهم وأحوالهم بقوله : ((ومن كان من العلماء فى أى عصر كان غير متمسك بما جاء به النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه مخالفا لشىء من ذلك فى أقواله وأفعاله واعتقاده غير واقف عند حدود الشرع مائلا مع الأهواء والأغراض أينما مالت متعصبا مسترسلا مع عقله معترضا بمقدماته العقلية على دقائق الشرع وحكمه التى خفيت عليه ، خارجا عن مذاهب أئمة الهدى علمنا أن هذا العالم من علماء السوء الذين ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم ، فهم مخذولون مطرودون عن الحق بعيدون عن الصدق والصواب ، مستدرجون من حيث لا يعلمون ، أولئك أعداء الأنبياء ، الداخلون فى قوله تعالى {وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا شياطين الأنس والجن يوجى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا} ، {وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا} ، {أولئك حزب الشيطان} ، فهؤلاء قل أن يوفق منهم أحد للصواب ، وموافقة الواقع وإن كانت أقوالهم مزخرفة الظاهر ، لكنها فاسدة الباطن ، تتراكم على ضعفاء العقول تراكم الثلوج ، فإذا سطعت عليها شموس البراهين الحقة ذابت وتلاشت ، {والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات} ، {أولئك طبع الله على قلوبهم} ، {والله يقول الحق وهو يهدى السبيل} ، فالفارق بين من تقبل أقواله من العلماء ويقتدى به ، وبين من لا تقبل أقواله ولا يقتدى به هو ما ذكرنا .

6- فمن كان من الفريق الأول كان قوله مقبولا ، وبيانه معقولا ، موفقا للصواب لا يخرج فى اعتقاده أو قوله أو فعله عن حدود الشرع .

7- ومن كان من الفريق الثانى وجب نبذ أقواله ظهريا ، لأنه بعصيانه وعدم امتثاله الأوامر واجتنابه النواهى لم يستعمل الدواء الذى به يحفظ نفسه أو يشفيها من الأسقام الحائلة بينها وبين الحق والصواب ، {فأى الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} ، {وتلك حجتنا} .

8- ومن الفريق الثانى الذى طمس الله على قلبه وطبع عليه أهل البدع فى العقائد والأعمال ، الذين خالفوا الكتاب والسنة والإجماع ، {فضلوا وأضلوا كثيرا} ، {قاتهلم الله أنى يؤفكون} ، {ومأواهم جهنم وساءت مصيرا} ، وقد ابتلى المسلمون بكثير من هذا الفريق سلفا وخلفا ، فكانوا وصمة وثلمة فى المسلمين ، وعضوا فاسدا يجب قطعه حتى لا يعدى الباقى ، فهو المجذوم الذى يجب الفرار منه .

9- ومنهم : ابن تيمية الذى ألف كتابه المسمى بالواسطية ، وغيره ، فقد ابتدع ما خرق به إجماع المسلمين ، وخالف فيه الكتاب والسنة الصريحة ، والسلف الصالح ، واسترسل مع عقله الفاسد ، وأضله الله على علم فكان إلهه هواه ، ظنا منه أن ما قاله حق ، وما هو بالحق ، وإنما هو منكر من القول وزور .

10- قال الإمام صاحب التصانيف النافعة فى كل فن العلامة ابن حجر فى فتاواه الحديثية ما نصه : ابن تيمية عبد خذله الله ، وأضله وأعماه وأصمه وأذله ، وبذلك صرح الأئمة الذين بينوا فساد أحواله ، وكذب أقواله ، ومن أراد ذلك فعليه بمطالعة كلام الإمام المجتهد المتفق على إمامته وجلالته وبلوغه درجة الاجتهاد أبى الحسن السبكى ، وولده التاج ، والشيخ الإمام العز بن جماعة ، وأهل عصرهم وغيرهم من الشافعية والمالكية والحنفية ، ولم يقصر اعتراضه على متأخرى الصوفية ، بل اعترض على مثل عمر بن الخطاب ، وعلى بن أبى طالب رضى الله عنهما ، والحاصل أنه لا يقام لكلامه وزن ، بل يرمى فى كل وعر وحزن ، ويعتقد فيه أنه مبتدع ضال ، ومضل جاهل غال ، عامله الله بعدله ، وأجارنا من مثل طريقته وعقيدته وفعله آمين ...))([6]) ، ثم أفاض فى نقل كلام ابن حجر عن بعض طامات ابن تيمية ، وبيان ما فيها ثم قال الشيخ المطيعى :

11- ولما تظاهر قوم فى هذا العصر بتقليد ابن تيمية فى عقائده الكاسدة ، وتعضيد أقواله الفاسدة ، وبثها بين العامة والخاصة ، واستعانوا على ذلك بطبع كتابه المسمى بالواسطية ، ونشره وقد اشتمل هذا الكتاب على كثير مما ابتدعه ابن تيمية مخالفا فى ذلك الكتاب والسنة وجماعة المسلمين ، فأيقظوا فتنة كانت نائمة ، فقياما بما يجب علينا كنا عزمنا على جمع مؤلف فى الرد على ذلك الكتاب حتى لا يقع المسلمون بواسطة ابن تيمية ومن هم على شاكلته فى مهواة الضلال والهلاك الأبدية ، غير أنا وجدنا كتاب الإمام الجليل والمجتهد الكبير تقى الدين أبى الحسن السبكى المسمى بشفاء السقام فى زيارة خير الأنام وافيا بالغرض المقصود آتيا على ما قاله ابن تيمية فى ذلك الكتاب وغيره مقوضا لبنيانه ... فاكتفينا بطبعه ونشره بين المسلمين ... وقد ألحقنا بكتاب السبكى رسالة للعلامة الحموى وأخرى للعلامة السجاعى وفتوى للعلامة الشوبرى وجميعها تتضمن الرد على أمثال ابن تيمية ...))([7]) .

ثم تكلم بعد ذلك الشيخ المطيعى عن التوسل وهو ما سنعرض له فى مقال تال بإذن الله تعالى .



([1]) محمد بخيت المطيعى (العلامة الشيخ ، مفتى الديار المصرية) ، تطهير الفؤاد من دنس الاعتقاد ، وهو مقدمة شفاء السقام فى زيارة خير الأنام ، ومعه أيضا : نفحات القرب والاتصال بإثبات التصرف لأولياء الله تعالى والكرامة بعد الانتقال للحموى ، وإثبات كرامات الأولياء للسجاعى ، وفتوى عن الكرامات للشوبرى ، القاهرة : مط الأميرية ، ط 1 ، 1318 هـ .

([2]) العلامة محمد بخيت المطيعى ، تطهير الفؤاد ، (ص 2-5) باختصار .

([3]) العلامة محمد بخيت المطيعى ، تطهير الفؤاد ، (ص 5-6) .

([4]) العلامة محمد بخيت المطيعى ، تطهير الفؤاد ، (ص 6- 7)

([5]) العلامة محمد بخيت المطيعى ، تطهير الفؤاد ، (ص 7) .

([6]) العلامة محمد بخيت المطيعى ، تطهير الفؤاد ، (ص 8 - 13) .

([7]) العلامة محمد بخيت المطيعى ، تطهير الفؤاد ، (ص 13) .

‏ليست هناك تعليقات: