اللهم نسألك كما اختصمنا فيك فى الدنيا أن تجمعنا فيك فى الآخرة بما اختلفنا فيه من الحق بإذنك ، اللهم بقولك {ونزعنا ما فى صدورهم من غل} فانزعه عنا فى الدنيا قبل الآخرة {ولا تجعل فى قلوبنا غلا للذين آمنوا} ، واجعلنا ومن اختصمنا معهم فيك {أخوانا على سرر متقابلين}
------------------------------------------
------------------------------------------

مقدمة

المقصود من هذه المدونة هو بيان أهل السنة والجماعة الحقيقيين كما ذكره الجماهير المجمهرة من علماء الأمة الإسلامية سواء المتقدمين منهم أو المتأخرين ، ومن كافة أقطار الإسلام .
هذه المدونة تناقش ما تحاول أن تشيعه الوهابية على أنه من مسلمات الفكر الإسلامى وأنه محل إجماع بين علماء المسلمين ، والحقيقة ليست كذلك ، إن ما قامت به الحركة الوهابية ودعت إليه من مقولات خاصة خلال السبعين سنة الماضية هو أكبر عملية لتزييف الفكر والتاريخ الإسلامى الصحيح
لهذا لا ينبغى للإنسان أن يغلق نفسه على مقولات الوهابية ودعاة السلفية ، ويستجيب لكل ضغوطهم وإرهابهم الفكرى وتبديعهم لجماهير العلماء بل وتكفيرهم فى كثير من الأحيان .
هذه المدونة أيضا تقدم نماذج حقيقية لكيفية مناقشة العلماء للقضايا وكيفية تفهمهم لها .
علينا ألا نسمع لرأى واحد ، ونغلق أعيننا وآذاننا دون أن نسمع آراء بقية العلماء ، وهذه إحدى إشكالات الصورة الزائفة للحياة الدينية الإسلامية التى تحاول أن تصبغنا بها الوهابية : الانغلاق ، والتعميم ، وهما وجهان لعملة واحدة ، رغم الدعوى الزائفة والكاذبة بالاجتهاد التى ما أريد بها إلا ترك المستقر والثابت والصحيح واتباع بدعهم وآرائهم الشاذة وأفكارهم المغلوطة

السبت، 29 سبتمبر، 2007

13) مذهب السلف فى المتشابه عند ابن خلدون :

قال ابن خلدون رحمه الله تعالى :
1- كشف الغطاء عن المتشابه من الكتاب والسنة وما حدث لأجل ذلك من طوائف السنية والمبتدعة في الاعتقادات . اعلم أن الله سبحانه بعث إلينا نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم يدعونا إلى النجاة والفوز بالنعيم، وأنزل عليه الكتاب الكريم باللسان العربي المبين، يخاطبنا فيه بالتكاليف المفضية بنا إلى ذلك. وكان في خلال هذا الخطاب، ومن ضروراته، ذكر صفاته سبحانه وأسمائه، ليعرفنا بذاته، وذكر الروح المتعلقة بنا، وذكر الوحي والملائكة، الوسائط بينه وبين رسله إلينا. وذكر لنا يوم البعث وإنذاراته ولم يعين لنا الوقت في شيء منه.
2- وثبت في هذا القرآن الكريم حروفاً من الهجاء مقطعة في أوائل بعض سوره، لا سبيل لنا إلى فهم المراد بها. وسمى هذه الأنواع كلها من الكتاب متشابهاً. وذم على اتباعها فقال تعالى: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب} .
3- وحمل العلماء من سلف الصحابة والتابعين هذه الآية على أن المحكمات هي المبينات الثابتة الأحكام.
4- ولذا قال الفقهاء في اصطلاحهم: المحكم المتضح المعنى. وأما المتشابهات فلهم فيها عبارات. فقيل هي التي تفتقر إلى نظم وتفسير يصحح معناها، لتعارضها مع آية أخرى أو مع العقل، فتخفى دلالتها وتشتبه. وعلى هذا قال ابن عباس: " المتشابه يؤمن به ولا يعمل به " وقال مجاهد وعكرمة: " كلما سوى آيات الأحكام والقصص متشابه " وعليه القاضي أبو بكر وإمام الحرمين. وقال الثوري والشعبي وجماعة من علماء السلف: " المتشابه، ما لم يكن سبيل إلى علمه، كشروط الساعة وأوقات الإنذارات وحروف الهجاء في أوائل السور، وقوله في الآية: " هذه أم الكتاب " أي معظمه وغالبه والمتشابه أقله، وقد يرد إلى المحكم.
5- ثم ذم المتبعين للمتشابه بالتأويل أو بحملها على معان لا تفهم منها في لسان العرب الذي خوطبنا به. وسماهم أهل زيغ، أي ميل عن الحق من الكفار والزنادقة وجهلة أهل البدع. وأن فعلهم ذلك قصد الفتنة التي هي الشرك أو اللبس على المؤمنين أو قصداً لتأويلها بما يشتهونه فيقتدون به في بدعتهم.
6- ثم أخبر سبحانه بأنه استأثر بتأويلها ولا يعلمه إلا هو فقال: وما يعلم تأويله إلا الله. ثم أثنى على العلماء بالإيمان بها فقط فقال: {والراسخون في العلم يقولون آمنا به}. ولهذا جعل السلف والراسخون مستأنفاً، ورجحوه على العطف لأن الإيمان بالغيب أبلغ في الثناء ومع عطفه إنما يكون إيماناً بالشاهد، لأنهم يعلمون التأوبل حينئذ فلا يكون غيباً. ويعضد ذلك قوله: {كل من عند ربنا} .
7- ويدل على أن التأويل فيها غير معلوم للبشر أن الألفاظ اللغوية إنما يفهم منها المعاني التي وضعها العرب لها، فإذا استحال إسناد الخبر إلى مخبر عنه جهلنا مدلول الكلام حينئذ وإن جاءنا من عند الله فوضنا علمه إليه ولا نشغل أنفسنا بمدلول نلتمسه، فلا سبيل لنا إلى ذلك. وقد قالت عائشة رضي الله عنها: " إذا رأيتم الذين يجادلون في القرآن، فهم الذين عنى الله " ، فاحذروهم.
8- هذا مذهب السلف في الآيات المتشابهة. وجاء في السنة ألفاظ مثل ذلك حملها عندهم محمل الآيات لأن المنبع واحد.وإذا تقررت أصناف المتشابهات على ما قلناه، فلنرجع إلى اختلاف الناس فيها:
9- فأما ما يرجع منها على ما ذكروه إلى الساعة وأشراطها وأوقات الإنذارات وعدد الزبانية وأمثال ذلك، فليس هذا والله أعلم من المتشابه، لأنه لم يرد فيه لفظ مجمل ولا غيره وإنما هي أزمنة لحادثات استأثر الله بعلمها بنصه في كتابه وعلى لسان نبيه. وقال: {إنما علمها عند الله } والعجب ممن عدها من المتشابه ، وأما الحروف المقطعة في أوائل السور فحقيقتها حروف الهجاء وليس ببعيد أن تكون مرادة. وقد قال الزمخشري: فيها إشارة إلى بعد الغاية في الإعجاز، لأن القرآن المنزل مؤلف منها، والبشر فيها سواء، والتفاوت موجود في دلالتها بعد التأليف. وإن عدل عن هذا الوجه الذي يتضمن الدلالة على الحقيقة فإنما يكون بنقل صحيح، كقولهم في طه، إنه نداء من طاهر وهادي وأمثال ذلك. والنقل الصحيح متعذر، فيجيء المتشابه فيها من هذا الوجه. وأما الوحي والملائكة والروح والجن، فاشتباهها من خفاء دلالتها الحقيقية لأنها غير متعارفة، فجاء التشابه فيها من أجل ذلك. وقد ألحق بعض الناس بها كل ما في معناها من أحوال القيامة والجنة والدجال والفتن والشروط، وما هو بخلاف العوائد المألوفة، وهو غير بعيد، إلا أن الجمهور لا يوافقونهم عليه. وسيما المتكلمون فقد عينوا محاملها على ما تراه في كتبهم.
10- ولم يبق من المتشابه إلا الصفات التي وصف الله بها نفسه في كتابه وعلى لسان نبيه، مما يوهم ظاهره نقصاً أو تعجيزاً. وقد اختلف الناس في هذه الظواهر من بعد السلف الذين قررنا مذهبهم. وتنازعوا وتطرقت البدع إلى العقائد. فلنشر إلى بيان مذاهبهم وإيثار الصحيح منه على الفاسد فنقول، " وما توفيقي إلا بالله " :
11- اعلم أن الله سبحانه وصف نفسه في كتابه بأنه عالم، قادر، مريد، حي، سميع، بصير متكلم، جليل، كريم، جواد، منعم، عزيز، عظيم. وكذا أثبت لنفسه اليدين والعينين والوجه والقم واللسان، إلى غير ذلك من الصفات: فمنها ما يقتضي صحة الألوهية، مثل العلم والقدرة والإرادة، ثم الحياة التي هي شرط جميعها، ومنها ما هي صفة كمال، كالسمع والبصر والكلام، ومنها ما يوهم النقص كالاستواء والنزول والمجيء، وكالوجه واليدين والعينين التي هي صفات المحدثات. ثم أخبر الشارع أنا نرى ربنا يوم القيامة كالقمر ليلة البدر، لا نضام في رؤيته كما ثبت في الصحيح.
12- فأما السلف من الصحابة والتابعين فأثبثوا له صفات الألوهية والكمال وفوضوا إليه ما يوهم النقص ساكتين عن مدلوله.
13- ثم اختلف الناس من بعدهم، وجاء المعتزلة فأثبتوا هذه الصفات أحكاماً ذهنية مجردة، ولم يثبتوا صفة تقوم بذاته، وسموا ذلك توحيداً، وجعلوا الإنسان خالقاً لأفعاله، ولا تتعلق بها قدرة الله تعالى، سيما الشرور والمعاصي منها، إذ يمتنع على الحكيم فعلها. وجعلوا مراعاة الأصلح للعباد واجبة عليه. وسموا ذلك عدلاً، بعد أن كانوا أولاً يقولون بنفي القدر، وأن الأمر كله مستأنف بعلم حادث وقدرة وإرادة كذلك، كما ورد في الصحيح. وإن عبد الله بن عمر تبرأ من معبد الجهني وأصحابه القائلين بذلك. وانتهى نفي القدر إلى واصل بن عطاء المعتزلى منهم تلميذ الحسن البصري، لعهد عبد الملك بن مروان. ثم آخراً إلى معمر السلمي، ورجعوا عن القول به. وكان منهم أبو الهذيل العلاف، وهو شيخ المعتزلة. أخذ الطريقة عن عثمان بن خالد الطويل عن واصل. وكان من نفاة القدر، واتبع رأي الفلاسفة في نفي الصفات الوجوددة لظهور مذاهبهم يومئذ. ثم جاء إبراهيم النظام، وقال بالقدر، واتبعوه. وطالع كتب الفلاسفة وشدد في نفي الصفات وقرر قواعد الاعتزال. ثم جاء الجاحظ والكعبي والجبائي، وكانت طريقتهم تسمى علم الكلام: إما لما فيها من الحجاج والجدال، وهو الذي يسمى كلاماً، وإما أن أصل طريقتهم نفي صلة الكلام. فلهذا كان الشافعي يقول: حقهم أن يضربوا بالجريد ويطاف بهم. وقرر هؤلاء طريقتهم وأثبتوا منها وردوا.
14- إلى أن ظهر الشيخ أبو الحسن الأشعري وناظر بعض مشيختهم في مسائل الصلاح والأصلح، فرفض طريقتهم، وكان على رأي عبد الله بن سعيد بن كلاب وأبي العباس القلانسي والحارث بن أسد المحاسبي من أتباع السلف وعلى طريقة السنة. فأيد مقالاتهم بالحجج الكلامية وأثبت الصفات القائمة بذات الله تعالى، من العلم والقدرة والإرادة التي يتم بها دليل التمانع وتصح المعجزات للأنبياء.
15- وكان من مذهبهم إثبات الكلام والسمع والبصر لأنها وإن أوهم ظاهراً النقص بالصوت والحرف الجسمانيين، فقد وجد للكلام عند العرب مدلول آخر غير الحروف والصوت، وهو ما يدور في الخلد. والكلام حقيقة فيه دون الأول، فأثبتوها لله تعالى وانتفى إيهام النقص. وأثبتوا هذه الصفة قديمة عامة التعلق بشأن الصفات الأخرى. وصار القرآن اسماً مشتركاً بين القديم بذات الله تعالى، وهو الكلام النفسي والمحدث الذي هو الحروف المؤلفة المقروءة بالأصوات. فإذا قيل قديم فالمراد الأول، وإذا قيل مقروء، مسموع، فلدلالة القراءة والكتابة عليه. وتورع الإمام أحمد بن حنبل من إطلاق لفظ الحدوث عليه، لأنه لم يسمع من السلف قبله: لا إنه يقول إن المصاحف المكتوبة قديمة، ولا أن القراءة الجارية على الألسنة قديمة، وهو شاهدها محدثة. وإنما منعه من ذلك الورع الذي كان عليه. وأما غير ذلك فإنكار للضروريات، وحاشاه منه.
16- وأما السمع والبصر، وإن كان يوهم إدراك الجارحة، فهو يدل أيضاً لغة على إدراك المسموع والمبصر، وينتفي إيهام النقص حينئذ لأنه حقيقة لغوية فيهما. وأما لفظ
الاستواء والمجيء والنزول والوجه واليدين والعينين وأمثال ذلك، فعدلوا عن حقائقها اللغوية فما فيها من إيهام النقص بالتشبيه إلى مجازاتها، على طريقة العرب، حيث تتعذر حقائق الألفاظ، فيرجعون إلى المجاز. كما في قوله تعالى: { يريد أن ينقض } وأمثاله، طريقة معروفة لهم غير منكرة ولا مبتدعة. وحملهم على هذا التأويل، وإن كان مخالفاً لمذهب السلف في التفويض أن جماعة من أتباع السلف وهم المحدِّثون والمتأخرون من الحنابلة ارتكبوا في محمل هذه الصفات فحملوها على صفات ثابتة لله تعالى، مجهولة الكيفية. فيقولون في: { استوى على العرش } نثبت له استواء، بحسب مدلول اللفظة، فراراً من تعطيله. ولا نقول بكيفيته فراراً من القول بالتشبيه الذي تنفيه آيات السلوب، من قوله: " ليس كمثله شيء " ، " سبحان الله عما يصفون " ، " تعالى الله عما يقول الظالمون " ، " لم يلد ولم يولد " ، ولا يعلمون مع ذلك أنهم ولجوا من باب التشبيه في قولهم بإثبات استواء، والاستواء عند أهل اللغة إنما موضوعه الاستقرار والتمكن، وهو جسماني.
17- وأما التعطيل الذي يشنعون بإلزامه، وهو تعطيل اللفظ، فلا محذور فيه. وإنما المحذور في تعطيل الإله .
18- وكذلك يشنعون بإلزام التكليف بما لا يطاق، وهو تمويه. لأن المتشابه لم يقع في التكاليف.
19- ثم يدعون أن هذا مذهب السلف، وحاشا لله من ذلك. وإنما مذهب السلف ما قررناه أولاً من تفويض المراد بها إلى الله، والسكوت عن فهمها.

20- وقد يحتجون لإثبات الاستواء لله بقول مالك: " إن الاستواء معلوم الثبوت لله " وحاشاه من ذلك، لأنه يعلم مدلول الاستواء. وإنما أراد أن الاستواء معلوم من اللغة، وهو الجسماني، وكيفيته أي حقيقته. لأن حقائق الصفات كلها كيفيات، وهي مجهولة الثبوت لله.
21- وكذلك يحتجون على إثبات المكان بحديث السوداء، وأنها لما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: " أين الله؟ وقالت: في السماء، فقال: أعتقها فإنها مؤمنة. والنبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت لها الإيمان بإثباتها المكان لله، بل لأنها آمنت بما جاء به من ظواهر أن الله في السماء، فدخلت في جملة الراسخين الذين يؤمنون بالمتشابه من غير كشف عن معناه. والقطع بنفي المكان حاصل من دليل العقل النافي للافتقار. ومن أدلة السلوب المؤذنة بالتنزيه مثل " ليس كمثله شيء " وأشباهه. ومن قوله: " وهو الله في السموات وفي الأرض " ، إذ الموجود لا يكون في مكانين، فليست (في) هنا للمكان قطعاً، والمراد غيره.
22- ثم طردوا ذلك المحمل الذي ابتدعوه في ظواهر الوجه والعينين واليدين، والنزول والكلام بالحرف والصوت يجعلون لها مدلولات أعم من الجسمانية وينزهونه عن مدلول الجسماني منها.
23- وهذا شيء لا يعرف في اللغة. وقد درج على ذلك الأول والآخر منهم.
24- ونافرهم أهل السنة من المتكلمين الأشعرية والحنفية. ورفضوا عقائدهم في ذلك، ووقع بين متكلمي الحنفية ببخارى وبين الإمام محمد بن إسماعيل البخاري ما هو معروف.
25- وأما المجسمة ففعلوا مثل ذلك في إثبات الجسمية، وأنها لا كالأجسام. ولفظ الجسم لم يثبت في منقول الشرعيات. وإنما جرأهم عليه إثبات هذه الظواهر، فلم يقتصروا عليه، بل توغلوا وأثبتوا الجسمية، يزعمون فيها مثل ذلك وينزهونه بقول متناقض سفساف، وهو قولهم: جسم لا كالأجسام. والجسم في لغة العرب هو العميق المحدود ، وأما غير هذا التفسير من أنه القائم بالذات أو المركب من الجواهر وغير ذلك فاصطلاحات للمتكلمين يريدون بها غير المدلول اللغوي.
26- فلهذا كان المجسمة أوغل في البدعة بل والكفر. حيث أثبتوا لله وصفاً موهماً يوهم النقص لم يرد في كلامه، ولا كلام نبيه.
27- فقد تبيين لك الفرق بين مذاهب السلف والمتكلمين السنية والمحدثين والمبتدعة من المعتزلة والمجسمة بما أطلعناك عليه.

28- وفي المحدثين غلاة يسمون المشبه لتصريحهم بالتشبيه، حتى إنه يحكى عن بعضهم أنه قال: اعفوني من اللحية والفرج وسلوا عما بدا لكم من سواهما. وإن لم يتأول ذلك لهم، بأنهم يريدون حصر ما ورد من هذه الظواهر الموهمة، وحملها على ذلك المحمل الذي لأئمتهم، وإلا فهو كفر صريح والعياذ بالله.
29- وكتب أهل السنة مشحونة بالحجاج على هذه البدع، وبسط الرد عليهم بالأدلة الصحيحة. وإنما أومأنا إلى ذلك إيماء يتميز به فصول المقالات وجملها. والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
30- وأما الظواهر الخفية الأدلة والدلالة، كالوحي والملائكة والروح والجن والبرزخ وأحوال القيامة والدجال والفتن والشروط، وسائر ما هو متعذر على الفهم أو مخالف للعادات، فإن حملناه على ما يذهب إليه الأشعرية في تفاصيله، وهم أهل السنة، فلا تشابه.
31- وإن قلنا فيه بالتشابه، فلنوضح القول فيه بكشف الحجاب عنه فنقول: اعلم أن العالم البشري أشرف العوالم من الموجودات، وأرفعها. وهو وإن اتحدت حقيقة الإنسانية فيه فله أطوار يخالف كل واحد منها الآخر بأحوال تختص به حتى كأن الحقائق فيها مختلفة.
32- فالطور الأول: عالمه الجسماني بحسه الظاهر وفكره المعاشي وسائر تصرفاته التي أعطاه إياها وجوده الحاضر.
33- الطور الثاني: عالم النوم، وهو تصور الخيال بإنفاذ تصوراته جائلة في باطنه فيدرك منها بحواسه الظاهرة مجردة عن الأزمنة والأمكنة وسائر الأحوال الجسمانية، ويشاهدها في إمكان ليس هو فيه. ويحدث للصالح منها البشرى بما يترقب من مسراته الدنيوية والأخروية، كما وعد به الصادق صلوات الله عليه. وهذان الطوران عامان في جميع أشخاص البشر، وهما مختلفان في المدارك كما تراه.
34- الطور الثالث: طور النبوة، وهو خاص بإشراف صنف البشر بما خصهم الله به من معرفته وتوحيده، وتنزل ملائكته عليهم بوحيه، وتكليفهم بإصلاح البشر في أحوال كلها مغايرة للأحوال البشرية الظاهرة.
35- الطور الرابع: طور الموت الذي تفارق أشخاص البشر فيه حياتهم الظاهرة إلى وجود قبل القيامة يسمى البرزخ يتنعمون فيه ويعذبون على حسب أعمالهم ثم يفضون إلى يوم القيامة الكبرى، وهي دار الجزاء الأكبر نعيماً وعذاباً في الجنة أو في النار. والطوران الأولان شاهدهما وجداني، والطور الثالث النبوي شاهده المعجزة والأحوال المختصة بالأنبياء، والطور الرابع شاهده ما تنزل على الأنبياء من وحي الله تعالى في المعاد وأحوال البرزخ والقيامة، مع أن العقل يقتضي به، كما نبهنا الله عليه، في كثير من آيات البعثة.
36- ومن أوضح الدلالة على صحتها أن أشخاص الإنسان لو لم يكن لهم وجود آخر بعد الموت غير هذه المشاهد يتلقى فيه أحوالاً تليق به. لكان إيجاده الأول عبثاً. إذ الموت إذا كان عدماً كان مآل الشخص إلى العدم، فلا يكون لوجوط الأول حكمة. والعبث على الحكيم محال.
37- وإذا تقررت هذه الأحوال الأربعة، فلنأخذ في بيان مدارك الإنسان فيها كيف تختلف اختلافاً بيناً يكشف لك غور المتشابه. فأما مداركه في الطور الأول فواضحة جلية. قال الله تعالى: " والله أخرجكم من بطون أمهاثكم لا تعلمون شيئاً، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة " فبهذه المدارك يستولي على ملكات المعارف ويستكمل حقيقة إنسانية ويوفي حق العبادة المفضية به إلى النجاة.
38- وأما مداركه في الطور الثاني، وهو طور النوم، فهي المدارك التي في الحس الظاهر بعينها. لكن ليست في الجوارح كما هي في اليقظة. لكن الرأي يتيقن كل شيء أدركه في نومه لا يشك فيه ولا يرتاب، مع خلو الجوارح عن الاستعمال العادي لها. والناس في حقيقة هذه الحال فريقان: الحكماء، ويزعمون أن الصور الخيالية يدفعها الخيال بحركة الفكر إلى الحس المشترك الذي هو الفصل المشترك بين الحس الظاهر والحس الباطن، فتصور محسوسه بالظاهر في الحواس كلها. ويشكل عليهم هذا بأن المرائي الصادقة التي هي من الله تعالى أو من الملك أثبت وأرسخ في الإدراك من المرائي الخيالية الشيطانية، مع أن الخيال فيها على ما قرروه واحد. الفريق الثاني: المتكلمون، أجملوا فيها القول، وقالوا: هو إدراك يخلقه الله في الحاسة فيقع كما يقع في اليقظة، وهذا أليق، وإن كنا لا نتصور كيفيته. وهذا الإدراك النومي أوضح شاهد على ما يقع بعده من المدارك الحسية في الأطوار.
39- وأما الطور الثالث، وهو طور الأنبياء، فالمدارك الحسية فيها مجهولة الكيفية عند وجدانيته عندهم بأوضح من اليقين. فيرى النبي الله والملائكة، ويسمع كلام الله منه أو من الملائكة، ويرى الجنة والنار، والعرش والكرسي، ويخترق السموات السبع في إسرائه ويركب البراق فيها، ويلقى النبيين هنالك، ويصلي بهم، ويدرك أنواع المدارك الحسية، كما يدرك في طوره الجسماني والنومي، بعلم ضروري يخلقه الله له، لا بالإدراك العادي للبشر في الجوارح، ولا يلتفت في ذلك إلى ما يقوله ابن سينا من تنزيله أمر النبوة على أمر النوم في دفع الخيال صوره إلى الحس المشترك. فإن الكلام عليهم هنا أشد من الكلام في النوم، لأن هذا التنزيل طبيعة واحدة كما قررناه، فيكون على هذا حقيقة الوحي والرؤيا من النبي واحدة في يقينها وحقيقتها، وليست كذلك على ما علمت من رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم قبل الوحي ستة أشهر وأنها كانت بدء الوحي ومقدمته، ويشعر ذلك بأنه رؤية في الحقيقة. وكذلك حال الوحي في نفسه فقد كان يصعب عليه ويقاسي منه شدة كما هي في الصحيح، حتى كان القرآن يتنزل عليه آيات مقطعات. وبعد ذلك نزل عليه " براءة " في غزوة تبوك جملة واحدة، وهو يسير على ناقته. فلو كان ذلك من تنزل الفكر إلى الخيال فقط، ومن الخيال إلى الحس المشترك، لم يكن بين هذه الحالات فرق.
40- وأما الطور الرابع، وهو طور الأموات في برزخهم الذي أوله القبر، وهم مجردون عن البدن، أو في بعثتهم عندما يرجعون إلى الأجسام، فمداركهم الحسية موجودة، فيرى الميت في قبره الملكان يسائلانه، ويرى مقعده من الجنة أو النار بعيني رأسه، ويرى شهود الجنازة ويسمع كلامهم وخفق نعالهم في الانصراف عنه، ويسمع ما يذكرونه به من التوحيد أو من تقرير الشهادتين، وغير ذلك. وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على قليب بدر، وفيه قتلى المشركين من قريش، وناداهم بأسمائهم، فقال عمر: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم الله أتكلم هؤلاء الجيف؟ فقال: " والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع منهم لما أقول " . ثم في البعثة يوم القيامة يعاينون بأسمائهم وأبصارهم - كما كانوا يعاينون في الحياة من نعيم الجنة على مراتبه وعذاب النار على مراتبه، ويرون الملائكة ويرون ربهم، كما ورد في الصحيح: إنكم ترون ربكم يوم القيامة، كالقمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته.
41- وهذه المدارك لم تكن لهم في الحياة الدنيا وهي حسية مثلها، وتقع في الجوارح بالعلم الضروري الذي يخلقه الله كما قلنا .
42- وسر هذا أن تعلم أن النفس الإنسانية هي تنشأ بالبدن وبمداركه، فإذا فارقت البدن بنوم أو بموت أو صار النبي حالة الوحي من المدارك البشرية إلى المدارك الملكية، فقد استصحبت ما كان معها من المدارك البشرية مجردة عن الجوارح، فيدرك بها في ذلك الطور أي إدراك شاءت منها، أرفع من إدراكها، وهي في الجسد. قاله الغزالي رحمه الله، وزاد على ذلك أن النفس الإنسانية صورة تبقى لها، بعد المفارقة فيها العينان والأذنان وسائر الجوارح المدركة أمثالاً لها، كان في البدن وصوراً.
43- وأنا أقول: إنما يشير بذلك إلى الملكات الحاصلة من تصريف هذه الجوارح في بدنها زيادة على الإدراك. فإذا تفطنت لها كله علمت أن هذه المدارك موجودة في الأطوار الأربعة، لكن ليس على ما كانت في الحياة الدنيا، وإنما هي تختلف بالقوة والضعف بحسب ما يعرض لها من الأحوال. ويشير المتكلمون إلى ذلك إشارة مجملة بأن الله يخلق فيها علماً ضرورياً بتلك المدارك، أي مدرك كان، ويعنون به هذا القدر الذي أوضحناه. وهذه نبذة أومأنا بها إلى ما يوضح القول في المتشابه. ولو أوسعنا الكلام فيه لقصرت المدارك عنه.
44- فلنفزع إلى الله سبحانه في الهداية والفهم عن أنبيائه وكتابه، بما يحصل به الحق في توحيدنا، والظفر بنجاتنا والله يهدي من يشاء. انتهى من المقدمة (ص 431 - 439)

12- كيفية التحقق بالإيمان ، وحقيقة مذهب السلف ومدى الحاجة إلى علم الكلام عند ابن خلدون

1- علم الكلام هو علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية، بالأدلة العقلية، والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة.
2- وسر هذه العقائد الإيمانية هو التوحيد.
3- فلنقدم هنا لطيفة في برهان عقلي يكشف لنا عن التوحيد على أقرب الطرق والمآخذ، ثم نرجع إلى تحقيق علم الكلام وفيما ينظر ونشير إلى حدوثه في الملة، وما دعا إلى وضعه فنقول:
4- اعلم أن الحوادث في عالم الكائنات سواء كانت من الذوات أو من الأفعال البشرية أو الحيوانية فلا بد لها من أسباب متقدمة عليها بها تقع في مستقر العادة، وعنها يتم كونه. وكل واحد من تلك الأسباب حادث أيضاً، فلا بد له من أسباب أخرى. ولا تزال تلك الأسباب مرتقية حتى تنتهي إلى مسبب الأسباب وموجدها وخالقها، لا إله إلا هو سبحانه.
5- وتلك الأسباب في ارتقائها تتضاعف فتنفسح طولاً وعرضاً، ويحار العقل في إدراكها وتعديدها. فإذا لا يحصرها إلا العلم المحيط، سيما الأفعال البشرية والحيوانية، فإن من جملة أسبابها في الشاهد القصود والإدارات، إذ لا يتم كون الفعل إلا بإرادته والقصد إليه.
6- والقصودات والإرادات أمور نفسانية ناشئة في الغالب عن تصورات سابقة، يتلو بعضها بعضاً. وتلك التصورات هي أسباب قصد الفعل. وقد تكون أسباب تلك التصورات تصورات أخرى، وكل ما يقع في النفس من التصورات فمجهول سببه، إذ لا يطلع أحد على مبادئ الأمور النفسانية، ولا على ترتيبها. إنما هي أشياء يلقيها الله في الفكر، يتبع بعضها بعضاً، والإنسان عاجز عن معرفة مبادئها وغاياتها. وإنما يحيط علماً في الغالب بالأسباب التي هي طبيعة ظاهرة، وتقع في مداركها على نظام وترتيب، لأن الطبيعة محصورة للنفس وتحت طورها.
7- وأما التصورات فنطاقها أوسع من النفس، لأنها للعقل الذي هو فوق طور النفس، فلا تكاد النفس تدرك الكثير منها فضلاً عن الإحاطة. وتأمل من ذلك حكمة الشارع في نهيه عن النظر إلى الأسباب والوقوف معها، فإنه واد يهيم فيه الفكر ولا يخلو منه بطائل، ولا يظفر بحقيقة. {قل الله، ثم ذرهم في خوضهم يلعبون}. وربما انقطع في وقوفه عن الارتقاء إلى ما فوقه فزلت قدمه، وأصبح من الضالين الهالكين. نعوذ بالله من الحرمان والخسران المبين.
8- ولا تحسبن أن هذا الوقوف أو الرجوع عنه في قدرتك أو اختيارك، بل هو لون يحصل للنفس وصبغة تستحكم من الخوض في الأسباب على نسبة لا نعلمها. إذ لو علمناها لتحرزنا منها، فلنتحرز من ذلك بقطع النظر عنها جملة.
9- وأيضاً فوجه تأثير هذه الأسباب في الكثير من مسبباتها مجهول، لأنها إنما يوقف عليها بالعادة، وقضية الاقتران الشاهد بالاستناد إلى الظاهر. وحقيقة التأثير وكيفيته مجهولة، " وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً " ، فلذلك أمرنا بقطع النظر عنها وإلغائها جملة، والتوجه إلى مسبب الأسباب كلها وفاعلها وموجدها، لترسخ صبغة التوحيد في النفس، على ما علمنا الشارع الذي هو أعرف بمصالح ديننا، وطرق سعادتنا، لاطلاعه على ما وراء الحس. قال صلى الله عليه وسلم: " من مات يشهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة " . فإن وقف عند تلك الأسباب، فقد انقطع وحقت عليه كلمة الكفر، وإن سبح في بحر النظر والبحث عنها وعن أسبابها وتأثيراتها واحداً بعد واحد، فأنا الضامن له أن لا يعود إلا بالخيبة ، فلذلك نهانا الشارع عن النظر في الأسباب وأمرنا بالتوحيد المطلق. {قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد} .
10- ولا تثقن بما يزعم لك الفكر أنه مقتدر على الإحاطة بالكائنات وأسبابها، والوقوف على تفصيل الوجود كله، وسفه رأيه في ذلك.
11- واعلم أن الوجود عند كل مدرك في بادئ رأيه أنه منحصر في مداركه لا يعدوها، والأمر في نفسه بخلاف ذلك، والحق من ورائه. ألا ترى الأصم كيف ينحصر الوجود عنده في المحسوسات الأربع والمعقولات، ويسقط من الوجود عنده صنف المسموعات. وكذلك الأعمى أيضاً يسقط من الوجود عنده صنف المسوعات، ولولا ما يردهم إلى ذلك تقليد الآباء والمشيخة من أهل عصرهم والكافة، لما أقروا به. لكنهم يتبعون الكافة في إثبات هذه الأصناف، لا بمقتضى فطرتهم وطبيعة إدراكهم، ولو سئل الحيوان الأعجم ونطق، لوجدناه منكراً للمعقولات وساقطة لديه بالكلية.
12- فإذا علمت هذا فلعل هناك ضرباً من الإدراك غير مدركاتنا، لأن إدراكاتنا مخلوقة محدثة، وخلق الله أكبر من خلق الناس. والحصر مجهول والوجود أوسع نطاقاً من ذلك، والله من ورائهم محيط.
13- فاتهم إدراكك ومدركاتك في الحصر، واتبع ما أمرك الشارع به في اعتقادك وعملك، فهو أحرص على سعادتك، وأعلم بما ينفعك، لأنه من طور فوق إدراكك، ومن نطاق أوسع من نطاق عقلك.
14- وليس ذلك بقادح في العقل ومداركه، يل العقل ميزان صحيح، فأحكامه يقينية لا كذب فيها. غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد والآخرة، وحقيقة النبوة، وحقائق الصفات الإلهية، وكل ما وراء طوره، فإن ذلك طمع في محال.
15- ومثال ذلك مثال رجل رأى الميزان الذي يوزن به الذهب، فطمع أن يزن به الجبال، وهذا لا يدرك. على أن الميزان في أحكامه غير صادق، لكن للعقل حد يقف عنده ولا يتعدى طوره، حتى يكون له أن يحيط بالله وبصفاته، فإنه ذرة من ذرات الوجود الحاصل منه.
16- وتفطن فى هذا لغلط من يقدم العقل على السمع في أمثال هذه القضايا، وقصور فهمه واضمحلال رأيه، فقد تبين لك الحق من ذلك.
17- وإذا تبين ذلك، فلعل الأسباب إذا تجاوزت في الارتقاء نطاق إدراكنا ووجودنا، خرجت عن أن تكون مدركة، فيضل العقل في بيداء الأوهام، ويحار وينقطع. فإذا: التوحيد هو العجز عن إدراك الأسباب وكيفيات تأثيراتها، وتفويض ذلك إلى خالقها المحيط بها، إذ لا فاعل غيره. وكلها ترتقي إليه وترجع إلى قدرته، وعلمنا به إنما هو من حيث صدورنا عنه لا غير.
18- وهذا هو معنى ما نقل عن بعض الصديقين: " العجز عن الإدراك إدراك " . ثم إن المعتبر في هذا التوحيد ليس هو الإيمان فقط، الذي هو تصديق حكمي، فإن ذلك من حديث النفس. وإنما الكمال فيه حصول صفة منه، تتكيف بها النفس. كما أن المطلوب من الأعمال والعبادات أيضاً حصول ملكة الطاعة والانقياد، وتفريغ القلب عن شواغل ما سوى المعبود، حتى ينقلب المريد السالك ربانياً.
19- والفرق بين الحال والعلم في العقائد فرق ما بين القول والاتصاف. وشرحه أن كثيراً من الناس يعلم أن رحمة اليتيم والمسكين، قربة إلي الله تعالى، مندوب إليها، ويقول بذلك ويعترف به ويذكر مأخذه من الشريعة، وهو لو رأى يتيماً أو مسكيناً من أبناء المستضعفين، لفر عنه، واستنكف أن يباشره، فضلاً عن التمسيح عليه للرحمة، وما بعد ذاك من مقامات العطف والحنو والصدقة. فهذا إنما حصل له من رحمة اليتيم مقام العلم، ولم يحصل له مقام الحال والاتصاف. ومن الناس من يحصل له مع مقام العلم والاعتراف بأن رحمة المسكين قربة إلى الله تعالى مقام آخر أعلى من الأول ، وهو الاتصاف بالرحمة وحصول ملكتها. فمتى رأى يتيماً أو مسكيناً بادر إليه ومسح عليه والتمس الثواب في الشفقة عليه، لا يكاد يصبر عن ذلك، ولو دفع عنه. ثم يتصدق عليه بما حضره من ذات يده.
20- وكذا علمك بالتوحيد مع اتصافك به، والعلم الحاصل عن الاتصاف ضرورة، هو أوثق مبنى من العلم الحاصل قبل الاتصاف. وليس الاتصاف بحاصل عن مجرد العلم، حتى يقع العمل ويتكرر مراراً غير منحصرة، فترسخ الملكة ويحصل الاتصاف والتحقيق، ويجيء العلم الثاني النافع في الآخرة. فإن العلم الأول المجرد عن الاتصاف قليل الجدوى والنفع، وهذا علم أكثر النظار، والمطلوب إنما هو العلم الحالي الناشىء عن العادة.
21- واعلم أن الكمال عند الشارع في كل ما كلف به إنما هو في هذا: فما طلب اعتقاده فالكمال فيه في العلم الثاني الحاصل عن الاتصاف، وما طلب عمله من العبادات، فالكمال فيها في حصول الاتصاف والتحقيق بها. ثم إن الإقبال على العبادات والمواظبة عليها هو المحصل لهذه الثمرة الشريفة. قال صلى الله عليه وسلم: " في رأس العبادات جعلت قرة عيني في الصلاة " ، فإن الصلاة صارت له صفة وحالاً يجد فيها منتهى لذته وقرة عينه، وأين هذا من صلاة الناس ومن لهم بها؟ " فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون " اللهم وفقنا، " واهدنا الصراط المستقيم: صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين " .
22- فقد تبين لك من جميع ما قررناه، أن المطلوب في التكاليف كلها حصول ملكة راسخة في النفس، ينشأ عنها علم اضطراري للنفس، هو التوحيد، وهو العقيدة الإيمانية، وهو الذي تحصل به السعادة، وأن ذلك سواء في التكاليف القلبية والبدنية. ويتفهم منه أن الإيمان الذي هو أصل التكاليف كلها وينبوعها، هو بهذه المثابة وأنه ذو مراتب: أولها التصديق القلبي الموافق للسان، وأعلاها حصول كيفية، من ذلك الاعتقاد القلبي، وما يتبعه من العمل، مستولية على القلب، فيستتبع الجوارح. وتندرج في طاعتها جميع التصرفات، حتى تنخرط الأفعال كلها في طاعة ذلك التصديق الإيماني. وهذا أرفع مراتب الإيمان، وهو الإيمان الكامل الذي لا يقارف المؤمن معه صغيرة ولا كبيرة. إذ حصول الملكة ورسوخها مانع من الانحراف عن مناهجه طرفة عين. قال صلى الله عليه وسلم: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " . وفي حديث هرقل، لما سأل أبا سفيان بن حرب عن النبي صلى الله عليه وسلم وأحواله، فقال في أصحابه: هل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قال: لا! قال وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب.
23- ومعناه أن ملكة الإيمان إذا استقرت عسر على النفس مخالفتها، شأن الملكات إذا استقرت، فإنها تحصل بمثابة الجبلة والفطرة. وهذه هي المرتبة العالية من الإيمان، وهي في المرتبة الثانية من العصمة. لأن العصمة واجبة للأنبياء وجوباً سابقاً، وهذه حاصلة للمؤمنين حصولاً تابعاً لأعمالهم وتصديقهم. فبهذه الملكة ورسوخها، يقع التفاوت في الإيمان، كالذي يتلى عليك من أقاويل السلف. وفي تراجم البخاري رضي الله عنه، في باب الإيمان، كثير منه، مثل: " أن الإيمان قول وعمل وأنه يزيد وينقص، وأن الصلاة والصيام من الإيمان، وأن تطوع رمضان من الإيمان، والحياء من الإيمان " .
24- والمراد بهذا كله الإيمان الكامل، الذي أشرنا إليه وإلى ملكته، وهو فعلي. وأما التصديق الذي هو أول مراتبه فلا تفاوت فيه. فمن اعتبر أوائل الأسماء، وحمله على التصديق منع من التفاوت، كما قال أئمة المتكلمين، ومن اعتبر أواخر الأسماء، وحمله على هذه الملكة التي هي الإيمان الكامل ظهر له التفاوت. وليس ذلك بقادح في اتحاد حقيقته الأولى التي هي التصديق، إذ التصديق موجود في جميع رتبه، لأنه أول ما يطلق عليه اسم الإيمان، وهو المخلص من عهدة الكفر، والفيصل بين الكافر والمؤمن، فلا يجزي أقل منه. وهو في نفسه حقيقة واحدة لا تتفاوت، وإنما التفاوت في الحال الحاصلة عن الأعمال كما قلناه، فافهم.
25- واعلم أن الشارع وصف لنا هذا الإيمان، الذي في المرتبة الأولى، الذي هو تصديق، وعين أموراً مخصوصة، كلفنا التصديق بها بقلوبنا، واعتقادها في أنفسنا مع الإقرار بها بألسنتنا، وهي العقائد التي تقررت في الدين. قال صلى الله عليه وسلم، حين سئل عن الإيمان فقال: " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الأخر، وتؤمن بالقدر: خيره وشره " .
26- وهذه هي العقائد الإيمانية المقررة في علم الكلام. ولنشر إليها مجملة لتتبين لك حقيقة هذا الفن وكيفية حدوثه، فنقول: اعلم أن الشارع لما أمرنا بالإيمان بهذا الخالق، الذي رد الأفعال كلها إليه، وأفرده بها كما قدمناه، وعرفنا أن في هذا الإيمان نجاتنا عند الموت إذا حضرنا، لم يعرفنا بكنه حقيقة هذا الخالق المعبود، إذ ذلك متعذر على إدراكنا ومن فوق طورنا. فكلفنا: أولاً، اعتقاد تنزيهه في ذاته عن مشابهة المخلوقين، وإلا لما صح أنه خالق لهم، لعدم الفارق على هذا التقدير، ثم تنزيهه عن صفات النقص، وإلا لشابه المخلوقين، ثم توحيده بالاتحاد، وإلا لم يتم الخلق للتمانع، ثم اعتقاد أنه عالم قادر، فبذلك تتم الأفعال شاهد قضيته لكمال الإيجاد والخلق، ومريد وإلا لم يخصص شيء من المخلوقات، ومقدر لكل كائن، وإلا فالإرادة حادثة. وأنه يعيدنا بعد الموت تكميلاً لعنايته بالإيجاد، ولو كان للغناء الصرف كان عبثاً، فهو للبقاء السرمدي بعد الموت. ثم اعتقاد بعثة الرسل للنجاة من شقاء هذا المعاد، لاختلاف أحواله بالشقاء والسعادة، وعدم معرفتنا بذلك، وتمام لطفه بنا في الإنباء بذلك، وبيان الطريقين. وأن الجنة للنعيم وجهنم للعذاب.
27- هذه أمهات العقائد الإيمانية، معللة بأدلتها العقلية، وأدلتها من الكتاب والسنة كثيرة. وعن تلك الأدلة أخذها السلف وأرشد إليها العلماء وحققها الأئمة، إلا أنه عرض بعد ذلك خلاف في تفاصيل هذه العقائد، أكثر مثارها من الآي المتشابهة، فدعا ذلك إلى الخصام والتناظر والاستدلال بالعقل زيادة إلى النقل. فحدث بذلك علم الكلام.
28- ولنبين لك تفصيل هذا المجمل. وذلك أن القرآن ورد فيه وصف المعبود، بالتنزيه المطلق، الظاهر الدلالة من غير تأويل في آي كثيرة، وهي سلوب كلها وصريحة في بابها، فوجب الإيمان بها. ووقع في كلام الشارع صلوات الله عليه وكلام الصحابة والتابعين تفسيرها على ظاهرها. ثم وردت في القرآن آي آخرى قليلة توهم التشبيه، مرة في الذات وأخرى في الصفات. فأما السلف فغلبوا أدلة التنزيه لكثرتها ووضوح دلالتها، وعلموا استحالة التشبيه. وقضوا بأن الآيات من كلام الله، فآمنوا بها ولم يتعرضوا لمعناها، ببحث ولا تأويل. وهذا معنى قول الكثير منهم: اقرأوها كما جاءت، أي آمنوا بأنها من عند الله. ولا تتعرضوا لتأويلها ولا تفسيرها، لجواز أن يكون ابتلاء، فيجب الوقف والإذعان له.
29- وشذ لعصرهم مبتدعة اتبعوا ما تشابه من الآيات، وتوغلوا في التشبيه: ففريق شبهوا في الذات باعتقاد اليد والقدم والوجه، عملاً بظواهر وردت بذلك، فوقعوا في التجسيم الصريح ومخالفة آي التنزيه المطلق، لأن معقولية الجسم تقتضي النقص والافتقار. وتغليب آيات السلوب في التنزيه المطلق، التي هي أكثر موارد وأوضح دلالة، أولى من التعلق بظواهر هذه التي لنا عنها غنية، وجمع بين الدليلين بتأويلها. ثم يفرون من شناعة ذلك بقولهم جسم لا كالأجسام. وليس ذلك بدافع عنهم، لأنه قول متناقض، وجمع بين نفي وإثبات: إن كانا لمعقولية واحدة من الجسم، وإن خالفوا بينهما ونفوا المعقولية المتعارفة، ففد وافقونا في التنزيه، ولم يبق إلا جعلهم لفظ الجسم اسماً من أسمائه. ويتوقف مثله على الإذن.
30- وفريق منهم ذهبوا إلى التشبيه في الصفات، كإثبات الجهة والاستواء والنزول والصوت والحرف وأمثال ذلك. وآل قولهم إلى التجسيم، فنزعوا مثل الأولين إلى قولهم صوت لا كالأصوات، جهة لا كالجهات، نزول لا كالنزول، يعنون من الأجسام. واندفع ذلك بما اندفع به الأول.
31- ولم يبق في هذه الظواهر إلا اعتقادات السلف ومذاهبهم والإيمان بها كما هي، لئلا يكر النفي على معانيها بنفيها، مع أنها صحيحة ثابتة من القرآن. ولهذا تنظر ما تراه في عقيدة الرسالة لابن أبي زيد وكتاب المختصر له، وفي كتاب الحافظ ابن عبد البر وغيرهم، فإنهم يحومون على هذا المعنى. ولا تغمض عينك عن القرائن الدالة على ذلك في غضون كلامهم.
32- ثم لما كثرت العلوم والصنائع وولع الناس بالتدوين والبحث في سائر الأنحاء، وألف المتكلمون في التنزيه، حدثت بدعة المعتزلة، في تعميم هذا التنزيه في آي السلوب، فقضوا بنفي صفات المعاني من العلم والقدرة والإرادة والحياة، زائدة على أحكامها، لما يلزم ذلك من تعدد القديم بزعمهم، وهو مردود بأن الصفات ليست عين الذات ولا غيرها، وقضوا بنفي صفة الإرادة فلزمهم نفي القدر لأن معناه سبق الإرادة للكائنات وقضوا بنفي السمع والبصر لكونهما من عوارض الأجسام. وهو مردود لعدم اشتراط البنية في مدلول هذا اللفظ، وإنما هو إدراك للمسموع أو المبصر. وقضوا بنفي الكلام لشبه ما في السمع والبصر، ولم يعقلوا صفة الكلام التي تقوم بالنفس، فقضوا بأن القرآن مخلوق، وذلك بدعة صرح السلف بخلافها وعظم ضرر هذه البدعة، ولقنها بعض الخلفاء عن أئمتهم، فحمل الناس عليها. وخالفهم أئمة السلف، فاستحل لخلافهم إيسار كثير منهم ودماؤهم.
33- وكان ذلك سبباً لانتهاض أهل السنة بالأدلة العقلية على هذه العقائد، دفعاً في صدور هذه البدع. وقام بذلك الشيخ أبو الحسن الأشعري إمام المتكلمين، فتوسط بين الطرق ونفى التشبيه. وأثبت الصفات المعنوية وقصر التنزيه على ما قصره عليه السلف. وشهدت له الأدلة المخصصة لعمومه، فأثبت الصفات الأربع المعنوية والسمع والبصر والكلام القائم بالنفس بطريق العقل والنقل. ورد على المبتدعة في ذلك كله، وتكلم معهم فيما مهدوه لهذه البدع من القول بالصلاح والأصلح والتحسين والتقبيح، وكمل العقائد في البعثة وأحوال المعاد والجنة والنار والثواب والعقاب. وألحق بذلك الكلام في الإمامة، لما ظهر حينئذ من بدعة الإمامية، في قولهم إنها من عقائد الإيمان. وإنها يجب على النبي تعيينها والخروج عن العهدة فيها لمن هي له، وكذلك على الأمة. وقصارى أمر الإمامة أنها قضية مصلحية إجماعية، ولا تلحق بالعقائد، فلذلك ألحقوها بمسائل هذا الفن وسموا مجموعة علم الكلام: إما لما فيه من المناظرة على البدع، وهي كلام صرف، وليست براجعة إلى عمل، وإما لأن سبب وضعه والخوض فيه هو تنازعهم في إثبات الكلام النفسي.
34- وكثر أتباع الشيخ أبي الحسن الأشعري، واقتفى طريقته من بعده تلميذه، كابن مجاهد وغيره. وأخذ عنهم القاضي أبو بكر الباقلاني فتصدر للإمامة في طريقتهم، وهذبها ووضع المقدمات العقلية، التي تتوقف عليها الأدلة، والأنظار، وذلك مثل: إثبات الجوهر الفرد والخلاء، وأن العرض لا يقوم بالعرض، وأنه لا يبقى زمانين. وأمثال ذلك مما تتوقف عليه أدلتهم. وجعل هذه القواعد تبعاً للعقائد الإيمانية في وجوب اعتقادها، لتوقف تلك الأدلة عليها، وأن بطلان الدليل يؤذن ببطلان المدلول. فكملت هذه الطريقة وجاءت من أحسن الفنون النظرية والعلوم الدينية. إلا أن صور الأدلة فيها بعض الأحيان، على غير الوجه الصناعي لسذاجة القوم، ولأن صناعة المنطق التي تسير بها الأدلة وتعتبر بها الأقيسة، لم تكن حينئذ ظاهرة في الملة، ولو ظهر منها بعض الشىء، فلم يأخذ به المتكلمون لملابستها للعلوم الفلسفية المباينة للعقائد الشرعية بالجملة، فكانت مهجورة عندهم لذلك.
35- ثم جاء بعد القاضي أبي بكر الباقلاني من أئمة الأشعرية إمام الحرمين أبو المعالي، فأملى في الطريقة كتاب الشامل وأوسع القول فيه. ثم لخصه في كتاب الإرشاد واتخذه الناس إماماً لعقائدهم. ثم انتشر من بعد ذلك علم المنطق في الملة.
36- وقرأه الناس وفرقوا بينه وبين العلوم الفلسفية، بأنه قانون ومعيار للأدلة فقط، يسبر به الأدلة منها كما يسبر من سواها. ثم نظروا في تلك القواعد والمقدمات في فن الكلام للأقدمين، فخالفوا الكثير منها بالبراهين التي أدتهم إلى ذلك. وربما أن كثيراً منها مقتبس من كلام الفلاسفة في الطبيعيات والإلهيات. فلما سبروها بمعيار المنطق ردهم إلى ذلك فيها، ولم يعتقدوا بطلان المدلول من بطلان دليله، كما صار إليه القاضي، فصارت هذه الطريقة في مصطلحهم مباينة للطريقة الأولى، وتسمى طريقة المتأخرين. وربما أدخلوا فيها الرد على الفلاسفة فيما خالفوا فيه من العقائد الإيمانية، وجعلوهم من خصوم العقائد، لتناسب الكثير من مذاهب المبتدعة ومذاهبهم. وأول من كتب في طريقة الكلام على هذا المنحى الغزالي رحمه الله، وتبعه الإمام ابن الخطيب وجماعة قفوا أثرهم واعتمدوا تقليدهم. ثم توغل المتأخرون من بعدهم في مخالطة كتب الفلسفة، والتبس عليهم شأن الموضوع في العلمين فحسبوه فيهما واحداً، من اشتباه المسائل فيهما.
37- واعلم أن المتكلمين لما كانوا يستدلون في أكثر أحوالهم بالكائنات وأحوالها على وجود الباري وصفاته، وهو نوع استدلالهم غالباً. فالجسم الطبيعي الذي ينظر فيه الفيلسوف في الطبيعيات، هو بعض من هذه الكائنات. إلا أن نظره فيها مخالف لنظر المتكلم، وهو ينظر في الجسم من حيث يتحرك ويسكن، والمتكلم ينظر فيه من حيث يدل على الفاعل. وكذا نظر الفيلسوف في الإلهيات إنما هو نظر في الوجود المطلق وما يقتضيه لذاته، ونظر المتكلم في الوجود من حيث إنه يدل على الموجود.
38- وبالجملة فموضوع علم الكلام عند أهله إنما هو العقائد الإيمانية بعد فروضها صحيحة من الشرع، من حيث يمكن أن يستدل عليها بالأدلة العقلية، فترفع البدع وتزال الشكوك والشبه عن تلك العقائد. وإذا تأملت حال الفن في حدوثه، وكيف تدرج كلام الناس فيه صدراً بعد صدر، وكلهم يفرض العقائد صحيحة ويستنهض الحجج والأدلة، علمت حينئذ ما قررناه لك في موضوع الفن، وأنه لا يعدوه.
39- ولقد اختلطت الطريقتان عند هؤلاء المتأخرين، والتبست مسائل الكلام، بمسائل الفلسفة، بحيث لا يتميز أحد الفنين عن الآخر. ولا يحصل عليه طالبه من كتبهم كما فعله البيضاوي في الطوالع، ومن جاء بعده من علماء العجم في جميع تأليفهم. إلا أن هذه الطريقة، قد يعنى بها بعض طلبة العلم، للاطلاع على المذاهب والإغراق في معرفة الحجاج، لوفور ذلك فيها.
40- وأما محاذاة طريقة السلف بعقائد علم الكلام، فإنما هو في الطريقة القديمة للمتكلمين، وأصلها كتاب الإرشاد، وما حذا حذوه.
41- ومن أراد إدخال الرد على الفلاسفة في عقائده، فعليه بكتب الغزالي والإمام ابن الخطيب، فإنها وإن وقع فيها مخالفة للاصطلاح القديم، فليس فيها من الاختلاط في المسائل والالتباس في الموضوع، ما في طريقة هؤلاء المتأخرين من بعدهم.
42- وعلى الجملة، فينبغي أن يعلم أن هذا العلم الذي هو علم الكلام غير ضروري لهذا العهد على طالب العلم، إذ الملحدة والمبتدعة قد انقرضوا، والأئمة من أهل السنة كفونا شأنهم فيما كتبوا ودونوا، والأدلة العقلية إنما احتاجوا إليها حين دافعوا ونصروا. وأما الآن، فلم يبق منها إلا كلام تنزه البارىء عن الكثير من إيهاماته وإطلاقاته. ولقد سئل الجنيد رحمه الله، عن قوم مر بهم من المتكلمين يفيضون فيه، فقال: ما هؤلاء؟ فقيل: قوم ينزهون الله بالأدلة عن صفات الحدوث وسمات النقص؟ فقال: " نفي العيب حيث يستحيل العيب عيب " . لكن فائدته في آحاد الناس وطلبة العلم فائدة معتبرة، إذ لا يحسن بحامل السنة الجهل بالحجج النظرية على عقائدها. والله ولي المؤمنين. انتهى من مقدمة ابن خلدون (423-431) .

11- الفقه والمذاهب الأربعة عند ابن خلدون

الفقه والمذاهب الأربعة عند ابن خلدون
1- الفقه هو معرفة أحكام الله تعالى في أفعال المكلفين، بالوجوب والحظر والندب والكراهة والإباحة ، وهي متلقاة من الكتاب والسنة وما نصبه الشارع لمعرفتها من الأدلة، فإذا استخرجت الأحكام من تلك الأدلة قيل لها فقه. وكان السلف يستخرجونها من تلك الأدلة على اختلاف فيها بينهم. ولا بد من وقوعه ضرورة.
2- فإن الأدلة من النصوص وهي بلغة العرب، وفي اقتضاآت ألفاظها بكثير من معانيها خصوصاً الأحكام الشرعية اختلاف بينهم معروف.
3- وأيضا فالسنة مختلفة الطرق في الثبوت وتتعارض في الأكثر أحكامها، فتحتاج إلى الترجيح وهو مختلف أيضا. فالأدلة من غير النصوص مختلف فيها.
4- وأيضاً فالوقائع المتجددة لا توفي بها النصوص. وما كان منها غير ظاهر في النصوص فيحمل على منصوص لمشابهة بينهما، وهذه كلها مثارات للخلاف ضرورية الوقوع. ومن هنا وقع الخلاف بين السلف والأئمة من بعدهم.
5- ثم إن الصحابة لم يكونوا كلهم أهل فتيا، ولا كان الدين يؤخذ عن جميعهم، وإنما كان ذلك مختصاً بالحاملين للقرآن العارفين بناسخه ومنسوخه ومتشابهه ومحكمه وسائر دلالاته بما تلقوه من النبي صلى الله عليه وسلم أو ممن سمعه منهم من عليتهم، وكانوا يسمون لذلك القراء، أي الذين يقرأون الكتاب لأن العرب كانوا أمة أمية، فاختص من كان منهم قارئاً للكتاب بهذا الاسم لغرابته يومئذ. وبقي الأمر كذلك صدر الملة.
6- ثم عظمت أمصار الإسلام وذهبت الأمية من العرب بممارسة الكتاب، وتمكن الاستنباط وكمل الفقه وأصبح صناعةً وعلماً فبدلوا باسم الفقهاء والعلماء من القراء. وانقسم الفقه فيهم إلى طريقتين: طريقة أهل الرأي والقياس، وهم أهل العراق، وطريقة أهل الحديث، وهم أهل الحجاز.
7- وكان الحديث قليلاً في أهل العراق كما قدمناه([1])، فاستكثروا من القياس ومهروا فيه، فلذلك قيل أهل الرأي. ومقدم جماعتهم الذي استقر المذهب فيه وفي أصحابه أبو حنيفة، وإمام أهل الحجاز مالك بن أنس والشافعي من بعده.
8- ثم أنكر القياس طائفة من العلماء وأبطلوا العمل به. وهم الظاهرية. وجعلوا مدارك الشرع كلها منحصرة في النصوص والإجماع وردوا القياس الجلي والعلة المنصوصة إلى النص، لأن النص على العلة نص على الحكم في جميع محالها. وكان إمام هذا المذهب داود بن علي وابنه وأصحابهما. وكانت هذه المذاهب الثلاثة هي مذاهب الجمهور المشتهرة بين الأمة. وشذ أهل البيت بمذاهب ابتدعوها وفقه انفردوا به، وبنوه على مذهبهم في تناول بعض الصحابة بالقدح، وعلى قولهم بعصمة الأئمة ورفع الخلاف عن أقوالهم، وهي كلها أصول واهية. وشذ بمثل ذلك الخوارج. ولم يحفل الجمهور بمذاهبهم بل أوسعوها جانب الإنكار والقدح. فلا نعرف شيئاً من مذاهبهم ولا نروي كتبهم، ولا أثر لشي، منها إلا في مواطنهم. فكتب الشيعة في بلادهم وحيث كانت دولهم قائمة في المغرب والمشرق واليمن، والخوارج كذلك. ولكل منهم كتب وتآليف وآراء في الفقه غريبة.
9- ثم درس مذهب أهل الظاهر اليوم بدروس أئمته وإنكار الجمهور على منتحله، ولم يبق إلا في الكتب المجلدة. وربما يعكف كثير من الطالبين، ممن تكلف بانتحال مذهبهم، على تلك الكتب، يروم أخذ فقههم منها ومذهبهم، فلا يحلو بطائل، ويصير إلى مخالفة الجمهور وإنكارهم عليه. وربما عد بهذه النحلة من أهل البدع بتلقيه العلم من الكتب، من غير مفتاح المعلمين. وقد فعل ذلك ابن حزم بالأندلس، على علو رتبته في حفظ الحديث، وصار إلى مذهب أهل الظاهر، ومهر فيه، باجتهاد زعمه في أقوالهم. وخالف إمامهم داود وتعرض للكثير من أئمة المسلمين، فنقم الناس ذلك عليه، وأوسعوا مذهبه استهجاناً وإنكاراً، وتلقوا كتبه بالإغفال والترك، حتى إنها يحظر بيعها بالأسواق، وربما تمزق في بعض الأحيان. ولم يبق إلا مذهب أهل الرأي من العراق وأهل الحديث من الحجاز.
10- فأما أهل العراق فإمامهم الذي استقرت عنده مذاهبهم أبو حنيفة النعمان بن ثابت، ومقامه في الفقه لا يلحق، شهد له بذلك أهل جلدته وخصوصاً مالك والشافعي. وأما أهل الحجاز فكان إمامهم مالك بن أنس الأصبحي إمام دار الهجرة رحمه الله تعالى. واختص بزيادة مدرك آخر للأحكام غير المدارك المعتبرة عند غيره، وهو عمل أهل المدينة. لأنه رأى أنهم، فيما يتفقون عليه، من فعل أو ترك، متابعون لمن قبلهم، ضرورة لدينهم واقتدائهم، وهكذا إلى الجيل المباشرين لفعل النبي صلى الله عليه وسلم الآخذين ذلك عنه. وصار ذلك عنده من أصول الأدلة الشرعية. وظن كثير أن ذلك من مسائل الإجماع فأنكره، لأن دليل الإجماع لا يخص أهل المدينة من سواهم، بل هو شامل للأمة.
11- واعلم أن الإجماع إنما هو الاتفاق على الأمر الديني عن اجتهاد. ومالك رحمه الله تعالى لم يعتبر عمل أهل المدينة من هذا المعنى، وإنما اعتبره من حيث اتباع الجيل بالمشاهدة للجيل إلى أن ينتهي إلى الشارع صلوات الله وسلامه عليه. وضرورة اقتدائهم بعين ذلك يعم الملة،. ذكرت في باب الإجماع لأنها أليق الأبواب بها، من حيث ما فيها من الاتفاق الجامع بينها وبين الإجماع. إلا أن اتفاق أهل الإجماع عن نظر واجتهاد في الأدلة، واتفاق هؤلاء في فعل أو ترك مستندين إلى مشاهدة من قبلهم. ولو ذكرت المسئلة في باب فعل النبي صلى الله عليه وسلم وتقريره، أو مع الأدلة المختلف فيها مثل مذهب الصحابي وشرع من قبلنا والاستصحاب لكان أليق بها.
12- ثم كان من بعد مالك بن أنس محمد بن إدريس المطلبي الشافعي رحمهما الله تعالى. رحل إلى العراق من بعد مالك ولقي أصحاب الإمام أبي حنيفة وأخذ عنهم، ومزج طريقة أهل الحجاز بطريقة أهل العراق، واختص بمذهب. وخالف مالكاً رحمه الله تعالى في كثير من مذهبه.
13- وجاء من بعدهما أحمد بن حنبل رحمه الله. وكان من علية المحدثين. وقرأ أصحابه على أصحاب الإمام أبي حنيفة مع وفور بضاعتهم من الحديث، فاختصوا بمذهب آخر.
14- ووقف التقليد في الأمصار عند هؤلاء الأربعة، ودرس المقلدون لمن سواهم. وسد الناس باب الخلاف وطرقه لما كثر تشعب الاصطلاحات في العلوم. ولما عاق عن الوصول إلى رتبة الاجتهاد، ولما خشي من إسناد ذلك إلى غير أهله، ومن لا يوثق برأيه ولا بدينه، فصرحوا بالعجز والإعواز، وردوا الناس إلى تقليد هؤلاء، كل من اختص به من المقلدين. وحظروا أن يتداول تقليدهم لما فيه من التلاعب. ولم يبق إلا نقل مذاهبهم. وعمل كل مقلد بمذهب من قلده منهم بعد تصحيح الأصول واتصال سندها بالرواية، لا محصول اليوم للفقه غير هذا.
15- ومدعي الاجتهاد لهذا العهد مردود منكوص على عقبه مهجور تقليده([2]). وقد صار أهل الإسلام اليوم على تقليد هؤلاء الأئمة الأربعة. فأما أحمد بن حنبل، فمقلدوه قليل لبعد مذهبه عن الاجتهاد وأصالته في معاضدة الرواية، وللأخبار بعضها ببعض. وأكثرهم بالشام والعراق من بغداد ونواحيها، وهم أكثر الناس حفظاً للسنة ورواية الحديث وميلاً بالاستنباط إليه عن القياس ما أمكن، وكان لهم ببغداد صولة وكثرة، حتى كانوا يتواقعون مع الشيعة في نواحيها. وعظمت الفتنة من أجل ذلك، ثم انقطع ذلك عند استيلاء التتر عليها. ولم يراجع وصارت كثرتهم بالشام.
16- وأما أبو حنيفة فقلده اليوم أهل العراق ومسلمة الهند والصين، وما وراء النهر وبلاد العجم كلها. ولما كان مذهبه أخص بالعراق ودار السلام، وكان تلميذه صحابة الخلفاء من بني العباس، فكثرت تآليفهم ومناظراتهم مع الشافعية وحسنت مباحثهم في الخلافيات، وجاؤوا منها بعلم مستظرف وأنظار غريبة وهي بين أيدي الناس. وبالمغرب منها شيء قليل نقله إليه القاضي ابن العربي وأبو الوليد الباجي في رحلتهما.
17- وأما الشافعي فمقلدوه بمصر أكثر مما سواها، وقد كان انتشر مذهبه بالعراق وخراسان وما وراء النهر، وقاسموا الحنفية في الفتوى والتدريس في جميع الأمصار. وعظمت مجالس المناظرات بينهم وشحنت كتب الخلافيات بأنواع استدلالاتهم. ثم درس ذلك كله بدروس المشرق وأقطاره. وكان الإمام محمد بن إدريس الشافعي لما نزل على بني عبد الحكم بمصر، أخذ عنه جماعة منهم. وكان من تلميذه بها: البويطي والمزني وغيرهم وكان بها من المالكية جماعة من بني عبد الحكم وأشهب وابن القاسم وابن المواز وغيرهم. ثم الحارث بن مسكين وبنوه، ثم القاضي أبو إسحق بن شعبان وأصحابه.
18- ثم انقرض فقه أهل السنة والجماعة من مصر بظهور دولة الرافضة، وتداول بها فقه أهل البيت وكان من سواهم يتلاشوا ويذهبوا. وارتحل إليها القاضي عبد الوهاب من بغداد، آخر المائة الرابعة، على ما أعلم، من الحاجة والتقليب في المعاش. فتأذن خلفاء العبيديين بإكرامه، وإظهار فضله نعياً على بني العباس في اطراح مثل هذا الإمام، والاغتباط به. فنفقت سوق المالكية بمصر قليلاً، إلى أن ذهبت دولة العبيديين من الرافضة على يد صلاح الدين يوسف بن أيوب، فذهب منها فقه أهل البيت وعاد فقه الجماعة إلى الظهور بينهم ورجع إليهم فقه الشافعي وأصحابه من أهل العراق والشام، فعاد إلى أحسن ما كان ونفقت سوقه. واشتهر فيهم محيي الدين النووي من الحلبة التي ربيت في ظل الدولة الأيوبية بالشام وعز الدين بن عبد السلام أيضاً، ثم ابن الرفعة بمصر وتقي الدين بن دقيق العيد، ثم تقي الدين السبكي بعدهما. إلى أن انتهى ذلك إلى شيخ الإسلام بمصر لهذا العهد، وهو سراج الدين البلقيني، فهو اليوم كبير الشافعية بمصر، لا بل كبير العلماء من أهل العصر.
19- وأما مالك رحمه الله تعالى فاختص بمذهبه أهل المغرب والأندلس. وإن كان يوجد في غيرهم، إلا أنهم لم يقلدوا غيره إلا في القليل، لما أن رحلتهم كانت غالباً إلى الحجاز، وهو منتهى سفرهم. والمدينة يومئذ دار العلم، ومنها خرج إلى العراق، ولم يكن العراق في طريقهم، فاقتصروا على الأخذ عن علماء المدينة. وشيخهم يومئذ وإمامهم مالك وشيوخه من قبله وتلميذه من بعده. فرجع إليه أهل المغرب والأندلس وقلدوه دون غيره، ممن لم تصل إليهم طريقته. وأيضاً فالبداوة كانت غالبة على أهل المغرب والأندلس، ولم يكونوا يعانون الحضارة التي لأهل العراق، فكانوا إلى أهل الحجاز أميل لمناسبة البداوة. ولهذا لم يزل المذهب المالكي غضاً عندهم، ولم يأخذه تنقيح الحضارة وتهذيبها كما وقع في غيره من المذاهب.
20- ولما صار مذهب كل إمام علماً مخصوصاً عند أهل مذهبه، ولم يكن لهم سبيل إلى الاجتهاد والقياس، فاحتاجوا إلى تنظير المسائل في الإلحاق وتفريقها عند الاشتباه، بعد الاستناد إلى الأصول المقررة من مذهب إمامهم. وصار ذلك كله يحتاج إلى ملكة راسخة، يقتدر بها على ذلك النوع من التنظير أو التفرقة، واتباع مذهب إمامهم فيهما ما استطاعوا. وهذه الملكة هي علم الفقه لهذا العهد.
21- وأهل المغرب جميعاً مقلدون لمالك رحمه الله. وقد كان تلاميذه افترقوا بمصر والعراق، فكان بالعراق منهم القاضي إسماعيل وطبقته مثل ابن خويز منداد وابن اللبان والقاضي أبو بكر الأبهري، والقاضي أبو الحسين بن القصار والقاضي عبد الوهاب ومن بعدهم. وكان بمصر ابن القاسم وأشهب وابن عبد الحكم والحارث بن مسكين وطبقتهم. ورحل من الأندلس يحيى بن يحيى الليثي، ولقي مالكاً. وروى عنه كتاب الموطأ، وكان من جملة أصحابه. ورحل بعده عبد الملك بن حبيب، فأخذ عن ابن القاسم وطبقته، وبث مذهب مالك في الأندلس ودون فيه كتاب الواضحة. ثم دون العتبي من تلامذته كتاب العتبية. ورحل من إفريقية أسد بن الفرات، فكتب عن أصحاب أبي حنيفة أولاً، ثم انتقل إلى مذهب مالك. وكتب علي بن القاسم في سائر أبواب الفقه، وجاء إلى القيروان بكتابه وسمي الأسدية نسبة إلى أسد بن الفرات، فقرأ بها سحنون على أسد ثم ارتحل إلى المشرق ولقي ابن القاسم وأخذ عنه، وعارضه بمسائل الأسدية، فرجع عن كثير منها. وكتب سحنون مسائلها ودونها وأثبت ما رجع عنه منها، وكتب معه ابن القاسم إلى أسد أن يمحو من أسديته ما رجع عنه، وأن يأخذ بكتاب سحنون فأنف من ذلك، فترك الناس كتابه واتبعوا مدونة سحنون، على ما كان فيها من اختلاط المسائل في الأبواب فكانت تسمى المدونة والمختلطة. وعكف أهل القيروان على هذه المدونة وأهل الأندلس على الواضحة والعتبية. ثم اختصر ابن أبي زيد المدونة والمختلطة في كتابه المسمى بالمختصر ولخصه أيضاً أبو سعيد البرادعي من فقهاء القيروان في كتابه المسمى بالتهذيب، واعتمده المشيخة من أهل إفريقية واخذوا به، وتركوا ما سواه. وكذلك اعتمد أهل الأندلس كتاب العتبية وهجروا الواضحة وما سواها. ولم يزل علماء المذهب يتعاهدون هذه الأمهات بالشرح والإيضاح والجمع ، فكتب أهل إفريقية على المدونة ما شاء الله أن يكتبوا مثل ابن يونس واللخمي وابن محرز والتونسي وابن بشير وأمثالهم. وكتب أهل الأندلس على العتبية ما شاء الله أن يكتبوا، مثل ابن رشد وأمثاله. وجمع ابن أبي زيد جميع ما في الأمهات من المسائل والخلاف والأقوال في كتاب النوادر،. فاشتمل عين جميع أقوال المذاهب، وفرع الأمهات كلها في هذا الكتاب. ونقل ابن يونس معظمه في كتابه على المدونة، وزخرت بحار المذهب المالكي في الآفقين إلى انقراض دولة قرطبة والقيروان. ثم تمسك بهما أهل المغرب بعد ذلك، إلى أن جاء كتاب أبي عمرو بن الحاجب، لخص فيه طرق أهل المذهب في كل باب، وتعديد أقوالهم في كل مسئلة، فجاء كالبرنامج للمذهب. وكانت الطريقة المالكية بقيت في مصر من لدن الحارث بن مسكين، وابن المبشر وابن اللهيت وابن رشيق وابن شاس. وكانت بالإسكندرية في بني عوف وبني سند وابن عطاء الله. ولم أدر عمن أخذها أبو عمرو بن الحاجب، لكنه جاء بعد انقراض دولة العبيديين، وذهاب فقه أهل البيت وظهور فقهاء السنة من الشافعية والمالكية. ولما جاء كتابه إلى المغرب آخر المائة السابعة، عكف عليه الكثير من طلبة المغرب، وخصوصا أهل بجاية، لما كان كبير مشيختهم أبو علي ناصر الدين الزواوي هو الذي جلبه إلى المغرب. فإنه كان قرأ على أصحابه بمصر ونسخ مختصره ذلك، فجاء به وانتشر بقطر بجاية في تلميذه، ومنهم انتقل إلى سائر الأمصار المغربية. وطلبة الفقه بالمغرب لهذا العهد يتداولون قراءته ويتدارسونه، لما يؤثر عن الشيخ ناصر الدين من الترغيب فيه. وقد شرحه جماعة من شيوخهم كابن عبد السلام وابن رشد وابن هارون، وكلهم من مشيخة أهل تونس، وسابق حلبتهم في الإجادة في ذلك ابن عبد السلام، وهم مع ذلك يتعاهدون كتاب التهذيب في دروسهم. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. انتهى من المقدمة (ص 410 – 417) .
([1]) حيث قال فى الفصل قبله عند كلامه على علم الحديث الشريف (ص 410) : ((والإمام أبو حنيفة إنما قلت روايه لما شدد فى شروط الرواية والتحمل ، وضعف الحديث إذا عارضه العقلى القطعى ، فاستصعب وقلت من أجله روايته ، فقل حديثه ، لا أنه ترك رواية الحديث متعمدا فحاشاه من ذلك ، ويدل على أنه من كبار المجتهدين فى علم الحديث اعتماد مذهبه بينهم ، والتعويل عليه واعتباره ردا وقبولا ، وأما غيره من المحدثين وهم الجمهور فتوسعوا فى الشروط وكثر حديثهم والكل عن اجتهاد . وقد توسع أصحابه من بعده فى الشروط وكثرت روايتهم)) .
([2]) ما ذكره الإمام ابن خلدون هنا محل نقاش ، ولنا بحث فى هذا الموضوع نشرناه فى هذه المدونة تحت عنوان : الاجتهاد واجب عند النسق السائد لأهل السنة والجماعة ناقشنا فيه ما قيل من إغلاق باب الاجتهاد ، وقد مارس علماء المذاهب الأربعة الاجتهاد فعليا وعلى مدار القرون كلها ، ولم ترد عليهم مسألة جديدة لم يجتهدوا فيها ويبينوا فيها الحكم الشرعى بناء على قواعد التخريج والتفريع الفقهى . أما الاجتهاد بمعنى تأسيس مذهب جديد فلم يعتنوا به مع قدرة كثيرين عليه لعدم الحاجة إليه .

10- ابن تيمية ليس سلفيا

ابن تيمية ليس سلفيا
إنه لا شك عنوان شديد الإزعاج ، ولا شك أنه سيثير الكثير من الغضب لدى محبى ابن تيمية .
كان من الممكن أن أصوغه كما يصنع الكثيرون بصيغة السؤال : هل ابن تيمية سلفيا ، أو نحو ذلك من العناوين التى لا يظهر منها موقف الكاتب .
لكنى وجدت فى ذلك نوعا من منافقة أتباع ابن تيمية ومداهنتهم ، رأيت فيه نوعا من الجبن الفكرى ، وعدم القدرة على الإعلان الواضح والصريح بالمواقف والآراء .
بل وجدت فيه مخالفة لابن تيمية نفسه ، الذى لم يجبن يوما عن المجاهرة برأيه مهما كان فى رأيه مخالفة للشائع ، أو مجابهة للجماعة العلمية فى عصره ، لم يبال ابن تيمية أبدا إلا بما اقتنع هو به .
ولهذا لم أجد أى غضاضة وأنا أتناوله بالبحث أن أقتفى أثره فى جراءته ، وفى إعلانه برأيه واجتهاده ، وفى عدم ركونه للشائع والمسلمات المدعية .
لقد رفع ابن تيمية ومن ورائه أتباعه راية الاجتهاد وعدم الركون إلى تقليد ، وأرجو ألا تضيق صدروهم بذلك إذا استعمله غيرهم ووصل إلى نتائج خلاف ما وصلوا إليه ، فإن مقتضى الاجتهاد الاختلاف .
فطالما دعوتمونا إلى الاجتهاد وعدم الركون إلى التقليد فتحملوا مخالفتنا لكم .
وحقيقة الاجتهاد عدم قبول القول - أى قول – إلا بدليله ، وعدم التسليم لدعوى إلا بعد النظر فى حجتها ، ومن هنا فالقول بأن ابن تيمية من علماء السلف هى دعوى تحتاج إلى دليل ، ونظر ، ونقد ، ومن قبلها مسلمة فقد قبل التقليد على نفسه .
ومن جهة أخرى : فإن مناقشة كون هذا العالم أو ذلك ممن استقر كونهم من أهل السنة والجماعة على مذهب السلف أو ليس على مذهبهم هو باب فتحه ابن تيمية نفسه على مصرعيه ، وحاول به هز كثير من المسلمات المستقرة فى الفكر الإسلامى ، فمن غير المنكر فكريا ولا منهجيا أن ندخله من الباب الذى فتحه بنفسه ، ونجرى عليه ما أجراه هو على غيره من النقد والفحص .
ولست ألزمك أيها القارئ العزيز بأن تصل إلى القناعة التى وصلتُ إليها فى الإمام ابن تيمية أن دوره فى العقيدة هو التنظير العقلى لآراء غلاة المحدثين الذين وقعوا فى الحشو والتجسيم وإجراءه على قواعد النظر والاستدلال العقلى ، بعد أن كانوا يقتصرون على المنهج النقلى ، ومثال دوره فى ذلك مثال ما ذكره كثير من العلماء المتقدمين والمتأخرين فى دور الإمام أبى الحسن الأشعرى والإمام أبى منصور الماتريدى أنه يتمثل فى التنظير العقلى لمذهب السلف .
ولست ألزمك أيضا بالتسليم إلى ما ذهب إليه كثير من كبار الباحثين المتخصصين فى الفلسفة والعقيدة الإسلامية من أن ابن تيمية كرَّامى فى العقيدة ، وليس على مذهب السلف([1]) .
ولكن فقط أدعوك لقراءة هذا البحث الذى ننشر صورته فى هذا الموقع ، والذى كتبه أحد علماء الأزهر الشريف ، وهو فضيلة الشيخ الدكتور منصور محمد محمد عويس .
ولا شك أن هذا البحث يمكن الآن بعد مرور حوالى أربعين سنة على نشره إضافة الكثير والكثير إليه بعد نشر العديد من النصوص سواء من تراث ابن تيمية ، أو من تراث علم الكلام فى العقود الأخيرة ، ولكن يبقى للبحث ريادته فى هذا المجال ، وأنه يفتح الباب للمناقشة .
لقد كان لهذا البحث فضل السبق فى هذا العنوان ، فالعنوان عنوانه فى الأساس ، وقد آثارت الإبقاء عليه أيضا اتفاقا مع كاتبه فى النتائج التى انتهى إليها ، واتفاقا معه أيضا فى الحق الأكيد فى الجهر بالرأى طالما استند إلى الحجة والدليل ، وأرجو ألا يحرمنا أحد من هذا الحق الذى أباحوه لأنفسهم .
والله من وراء القصد
عصام أنس الزفتاوى

([1]) انظر للتعريف بالكرامية والحشوية من غلاة المحدثين : د . التفتازانى ، علم الكلام وبعض مشكلاته ، القاهرة : دار الثقافة ، د ت ، (ص 108 – 111) .
















ويمكن تحميل بقية صفحات الكتاب من مكتبة النصوص النادرة بموقعنا ، على الرابط التالى :

الخميس، 27 سبتمبر، 2007

9- نموذج آخر لتحريف الزركلى للتاريخ بسبب تعصبه للوهابية ، وذلك خلال تعليقه على مؤلفات النبهانى

يقول العلامة الحافظ محمد حبيب الله بن مايابى الشنقيطى عن مؤلفات الشيخ النبهانى : ((أما مصنفاته رحمه الله فهى كثيرة جدا ، وجلها أو كلها فى الحديث ومتعلقاته : كالسيرة النبوية والمديح ، وعلم الأسانيد ، وتراجم أعيان علماء الأمة ، والصلاة على النبى عليه الصلاة والسلام ، وتدوين المدائح التى مدحه بها أو مدحه بها غيره من الأقدمين والمتأخرين ، من سائر أهل المذاهب الأربعة وأكابر المحدثين)) ([1]).
ويذكر الزركلى عن عبد الحفيظ الفاسى (ت 1383 هـ)صاحب معجم الشيوخ قوله : ((له كتب كثيرة خلط فيها الصالح بالطالح ، وحمل على أعلام الإسلام ، كابن تيمية وابن قيم الجوزية ، حملات شعواء ...)) ، وهو كلام مرسل على عواهنه ، وفيه تحامل ليس باليسير ، وليس الرجل كذلك ، ويراد بالكلام أن تحملك الحمية لهؤلاء الأئمة أن تنكر على النبهانى ولا تنتفع بكتبه وعلمه ، ومصنفاته بين أيدينا متداولة سهلة المنال ، ليس فيها ما ذُكر من الحملات الشعواء ، والرجل أعف الناس لسانا وقلما ، ولا يناقش شيئا إلا بدليله ، وفى هدوء تام ، وبإنصاف يحمد له ، وقد عارض غيرهم من العلماء كالحكيم الترمذى مثلا عارضه كثيرا فى الشرف المؤبد ، فلِمَ لم يذكر صاحب معجم الشيوخ ذلك ، أم أن من ذكرهم - إن صح نقد النبهانى لهم – مقدسات فكرية لا يجوز مسهم بسوء .
على أن الشيخ النبهانى لم ينتقد الإمامين شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم فى ذاتهما بقدر انتقاده لمن استتروا خلفهما ، وأعادوا إخراجهما وتصويرهما بصورة مخالفة لحقيقتهما كما يعلم من اطلع على مصنفاتهما بنفسه ، وهذا نوع من تزوير التاريخ والعلم الذى نعيش فيه ، فمعارضة النبهانى إنما هى لهؤلاء المزورين ، أو لتلك الصورة المزورة . فهناك صورتان للإمامين شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ، الصورة الحقيقية التى تظهر بالاطلاع الواسع على مصنفاتهما ككل دون اجتزاء أو ابتسار أو قراءة مغلوطة ، والصورة الثانية صورة مبتسرة مغلوطة أعيد فيها تصويرهما على هوى أصحاب تلك الدعوة ، والذين لم يقتصروا على شيخ الإسلام ابن تيمية وابن قيم فحسب ، بل يحاولون التزوير على السلف ككل ، ثم التستر بهم .
ومع هذا فلم يتجاوز النبهانى فى الرد على من عارضهم أن أعاد عليهم ما رموا أهل العلم به ، فعلام الإنكار عليه ، فالرجل ما زاد أن حصحص الحق ، وبين أى الفريقين أحق بذلك . والعجب أن هؤلاء يقبلون ممن عارضهم النبهانى أن يقولوا الذى أنكروه على النبهانى وأضعافه فى حق أئمة الأمة وأعلامها ، فإذا ارتد عليهم الذى رموه بأيديهم أكبروا ذلك .
أليس من حق النبهانى وهو من هو فى مكانته العلمية أن يجتهد ويبدى رأيه وعجبا للقوم ملئوا الدنيا ضجيجا بالاجتهاد ، فإن اجتهد المجتهد بحق فخالفهم ، شنعوا عليه وجعلوه مجرد ((شاعر أديب من رجال القضاء)) تجرأ على أعلام الإسلام مثلما فعل الزركلى .
ولم يفعل النبهانى ذلك بوضوح إلا فى كتاب واحد ، أما سائر مصنفاته فقد خلت من هذا ، والكتاب هو ((شواهد الحق فى الاستغاثة بسيد الخلق)) ، وقد سبق قريبا أسماء من قرظه من كبار علماء الوقت ممن لم يأبه لهم الزركلى ولم ينصفهم فى تراجمهم من كتابه ، مع أن اثنين منهم ممن تولى مشيخة الأزهر ، واثنين منهم ممن تولى إفتاء الديار المصرية ، وفيهم مشايخ المذاهب الأربعة ، وفيهم اثنان من كبار الحفاظ (الشنقيطى والكتانى) فى هذا القرن ، وغيرهم من العلماء ، ومن هؤلاء الشامى والمغربى والمصرى ممن تعلموا فى الأزهر الشريف أو فى معاهد العلم ببلادهم وكانوا جميعا مع اختلاف مذاهبهم على كلمة واحدة فى رد تلك الدعوة ، ونصوصهم صريحة فى الثناء على الكتاب ، وأن ما ذكره المؤلف هو الحق الموافق للكتاب والسنة ، وعمل الصحابة والعلماء جيلا بعد جيل .
هكذا كان العلماء ينظرون إلى المسائل منذ نحو مائة سنة ، وهكذا كانوا على كلمة واحدة من رد بدع هذه الدعاوى المحدثة ، وما زال موقف علمائنا كما هو ، على ما رأينا عليه مشايخنا كافة ، ولكن الأمر كما قال صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الشيخان وغيرهما عن ابن عمر : ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يُبْقِ عالما اتخذ الناس رءوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا)) ، وسيأتى تخريجه فى محله .
والحال كما وصف صلى الله عليه وسلم ، ولو رجع المرء إلى تاريخ الحركة العلمية لهذه الفترة لأدرك بوضوح صدق ما أقوله ، ولاستطاع أن يميز بسهولة بين بقية العلماء الذين ما زالوا أحياء فيدركهم وينتفع بهم قبل أن يقبضهم الله ، وبين الرؤوس الجهال الذين لم يتلقوا العلم فى معاهده الأصيلة وأطلوا علينا من على المنابر والفضائيات .
ويروى عن ابن مسعود مرفوعا وموقوفا - فيما سيأتى تخريجه -: ((تعلموا العلم قبل أن يرفع فإن أحدكم لا يدرى متى يُفْتَقر إلى ما عنده وعليكم بالعلم وإياكم والتنطع والتبدع والتعمق وعليكم بالعتيق)) ، وما أغلاها من نصيحة .
([1]) شواهد الحق فى الاستغاثة بسيد الخلق للشيخ يوسف بن إسماعيل النبهانى ص7 ،10 .
(هذا المقال مقتطف من مقدمة جامع الأحاديث)

8- نموذج آخر لتحريف الزركلى للتاريخ بسبب تعصبه للوهابية ، وذلك فى ترجمة الشيخ النبهانى

قال البيطار صاحب حلية البشر : ((هذا الإمام ، والشهم الأديب الهمام ، قد طلعت فضائل محاسنه طلوع النجوم الزواهر ، وسعدت مطالع شمائله بآدابه المعجبة البواهر ، فهو الألمعى المشهود له بقوة الإدراك ، واللوذعى المستوى مقامه على ذروة الأفلاك ، وله ذكاء أحد من السيف إذا تجرد من قرابه ، وفكر إذا أراد البحر أن يحكيه وقع فى اضطرابه ، ونثر يزرى بالعقد الثمين والدر المنثور ، وشعر يدل على كمال الإدراك وتمام الشعور ، فهو فارس ميدان اليراع والصفاح ، وصاحب الرماح الخطية والأقلام الفصاح ، فلعمرى لقد أصبح فى الفضل وحيدا ، ولم تجد عنه النباهة محيصاً ولا محيدا ، وناهيك بمحاسن قلدها ، ومناقب أثبتها وخلدها ، إذا تليت فى المجامع ، اهتزت لها الأعطاف وتشنفت المسامع . ومن جملة آثاره ، الدالة على علوه وفخاره ، تآليفه الشريفة))([1]).
وقد أجازه شيخه العلامة شيخ السادة الشافعية بالأزهر الشريف الشيخ إبراهيم السقا (ت 1298 هـ) بإجازة نثبتها بتمامها لاشتمالها على دلالات مهمة ، وتقدم لنا صورة للحياة العلمية فى الماضى القريب ، يقول الشيخ السقا رحمه الله : ((بسم الله الرحمن الرحيم لك الحمد على مرسل آلائك ومرفوعها ، ولك الشكر على مسلسل نعمائك وموضوعها ، بحسن الإنشاء وصحيح الخبر ، يا من تجيز من استجازك وافرَ الهبات ، وتجير من استجارك واعرَ العقبات ، فيغدو موقوفاً على مطالعة الأثر ، ما بين مؤتلف الفضل ومتفقه ، ومختلف العدل ومفترقه ، جيد الفكر ، سليم الفطر ، يجتنى بمنتج قياسه شريف الفوائد ، ويجتبى بمبهج اقتباسه شريف العوائد . ويحلى نفيس النفوس بعقود العقائد الغرر ، فإن صادفه مديد الإمداد ، وصادقه مزيد الإنجاد ، وصَفَا مشربُه الهنى ولا كدر ، ووجد درر الجواهر ويا نعم الوجادة ، بادر عند ذلك بالاستفادة والإفادة ، ولا أشر ولا بطر ، فبذل المعروف وبدل المنكر ، إذ ليس عنده إلا صحاح الجوهر ، معتنى وما اقتنى غيرها عندما عثر ، لا يزور ولا يدلس ، ويطهر ولا يدنس ، ولا يعانى الشرر ، فيامن مَنَّ على هذا المنقطع الغريب ، ومنحه منحة المتصل القريب ، امنحنى السلامة فى داره ونجنى من سقر ، ومنك موصول صلات صلواتك ومقطوعها ، وسلسل سلسبيل تسليماتك ومجموعها ، على سندنا وسيدنا محمد سيد نوع البشر ، وعلى آله وأصحابه ، وحملة شريعته وأحبابه ، ومن اقتفى أثرهم وعلى جهاد نفسه صبر .
أما بعد : فلما كان الإسناد مزية عالية ، وخصوصية لهذه الأمة غالية ، دون الأمم الخالية ، اعتنى بطلبه الأئمة النبلاء أصحاب النظر ، إذ الدعى غير المنسوب ، والقصى غير المحسوب ، وسليم البصيرة غير أعشى الفكر ، ولما كان منهم الإمام الفاضل ، والهمام الكامل ، والجهبذ الأبر ، اللوذعى الأريب ، والألمعى الأديب ، ولدنا الشيخ يوسف بن الشيخ إسماعيل النبهانى الشافعى أيده الله بالمعارف ونصر ، طلب منى إجازة ليتصل بسند سادتى سنده ، ولا ينفصل عن مددهم مدده ، وينتظم فى سلك قد فاق غيره وبهر ، فأجبته وإن لم أكن لذلك أهلا ، رجاء أن يفشو العلم وأنال من الله فضلاً ، وأنجو فى القيامة مما للكاتمين من الضرر ، فقلت : أجزت ولدى المذكور بما تجوز لى روايته ، أو تصح عنى درايته ، من كل حديث وأثر ، ومن فروع وأصول ، ومنقول ومعقول ، وفنون اللطائف والعبر ، كما أخذته عن الأفاضل السادة الأكابر القادة مسددى العزائم فى استخراج الدرر ، منهم أستاذنا العلامة ولى الله المقرب وملاذنا الفهامة الكبير ثعيلب ، بوأه الله أسنى مقر عن شيخه الشهاب أحمد الملوى ذى التآليف المفيدة ، وعن شيخه أحمد الجوهرى الخالدى صاحب التصانيف الفريدة عن شيخهما عبد الله بن سالم صاحب الثبت الذى اشتهر . ومنهم شيخنا محمد بن محمود الجزائرى عن شيخه على بن عبد القادر بن الأمين ، عن شيخه أحمد الجوهرى المذكور الموصوف بالعرفان والتمكين ، عن شيخه عبد الله بن سالم الذى ذكره غبر . ومنهم الشيخ محمد صالح البخارى ، عن شيخه رفيع الدين القندهارى ، عن الشريف الإدريسى عن عبد الله بن سالم راوى أحاديث الأبر . ومنهم سيدى محمد الأمير ، عن والده الشيخ الكبير ، عن أشياخه الذين حوى ذكرهم ثبته الشهير . ومنهم غير هؤلاء رحم الله الجميع ولى وللمجاز ولهم أكرم وغفر ، وهؤلاء وغيرهم يروون عن جم غفير وجمع كثير ، كالشيخ الحفنى والشيخ على الصعيدى وغيرهما فمسانيدهم مسانيدى فما أكرمها من نسبة وأبر ، وقد سمع منى المجاز كتباً عديدة ، معتبرة مفيدة ، كالتحرير والمنهج ، وفقه الله لمحاسن ما به أمر ، آمين بجاه طه الأمين ، فى 18 رجب سنة ألف ومائتين وتسع وثمانين هجرية . الفقير إليه سبحانه إبراهيم السقا الشافعى بالأزهر عفى عنه))([2]).
فها قد رأيت كلام هؤلاء الأعلام فيه ، قرينه الحافظ الشنقيطى ، وشيخه العلامة الشيخ السقا ، والشيخ عبد الرزاق البيطار ، وهم من أكابر علماء الوقت وفضلائه .
وقد أثنى عليه مجموعة من أكابر علماء عصره ، وقرظوا كتابه شواهد الحق فى الاستغاثة بسيد الخلق ، ووافقوه على ما كتبه من الآراء التى نصر بها الحق ، وهؤلاء هم : العلامة الشيخ على محمد الببلاوى المالكى شيخ الجامع الأزهر (ت 1323 هـ) ، والعلامة الشيخ عبد القادر الرافعى شيخ السادة الحنفية المشهور بأبى حنيفة الصغير ، مفتى الديار المصرية الأسبق (ت 1323 هـ) ، والعلامة الشيخ عبد الرحمن الشربينى الشافعى شيخ الجامع الأزهر (ت 1326 هـ) ، والعلامة الشيخ بكرى محمد عاشور الصدفى شيخ السادة الحنفية ، ومفتى الديار المصرية الأسبق ، والعلامة الحافظ محمد عبد الحى بن عبد الكبير الكتانى الحسنى المغربى صاحب فهرس الفهارس (ت 1382 هـ) ، والعلامة الفقيه أحمد بك الحسينى الشافعى (ت 1332 هـ) ، وشيخ السادة الشافعية سليمان العبد ، والعلامة أحمد حسنين البولاقى الشافعى ، والعلامة الشيخ أحمد البسيونى شيخ السادة الحنابلة ، والعلامة الشيخ سعيد الموجى الشافعى ، والعلامة الشيخ محمد الحلبى الشافعى ، وعامتهم من علماء الأزهر الشريف ، وأغلبهم من مشاهير العلماء بهذه الفترة .
وقارن هذا بصنيع الزركلى([3]) الذى انحرف عنه كعادته فى كل من لم يكن على مشربه فأجحفه حقه باقتصاره على قوله : ((شاعر ، أديب ، من رجال القضاء)) ، وسيأتى بقية تعصبه عليه عند الكلام على مؤلفات النبهانى .ولو كان النبهانى متمسلفا على الطريقة التى يرتضيها الزركلى لعده مجتهدا مجددا مصلحا ، فإن الرجل - أقصد النبهانى - من كبار العلماء ، وأقل منه أثرا ووزنا يُعلى الزركلى من شأنه إن كان على طريقته ترويجا لها وتكثيرا لسواد المتمسلفة ليوقع فى روع من لا يفطن لغرضه أن هناك من العلماء والمصلحين والمجتهدين كثرة وافقتهم على ما ذهبوا إليه ، لا وربى ، نفر قليل ممن تقدموا ، بَدْؤُهم فى القرن الثامن فما بعده ، ولا يستقيم لهم قبل ذلك عالم يوافقهم تماما الموافقة ، على أن العلماء انتقدتهم ، وحاورتهم ، وكشفت عن ضعيف آرائهم ، جيلا بعد جيل ، وقرنا بعد قرن ، ثم عادت هذه الأفكار فى هيئة دعوة استترت بالإصلاح والتجديد والاجتهاد وتنقية العقيدة من البدعة والشرك فى القرن الثانى عشر الهجرى (18 م) ، وساعد الاستعمار الإنجليزى على نشرها فى بلاد لم يستطع أن يطأها بقدم ليفت فى عضد الخلافة الإسلامية القائمة ، فهيأ الاستعمار لتلك الدعوة الظرف الملائم ليساعد على انتشارها ، فقام لها العلماء من شتى بقاع العالم الإسلامى شرقا وغربا ، شمالا وجنوبا ، بداية من علماء الحرمين أنفسهم ، ومن أطراف الهند شرقا ، إلى أطراف المغرب العربى وبلاد شنقيط (موريتانيا) غربا ، ومن أقاليم الإسلام شمالا فى شرق أوروبا إلى أواسط أفريقيا جنوبا ، فلم يأل العلماء نصحا ، فلما قبض الله العلم بقبض العلماء تبجح أصحاب تلك الدعوة وعاثوا فى البلاد موهمين أنهم هم وحدهم أهل السنة والجماعة ، وما أبقى فتيل هذه الدعوة موقدا إلا اغتذائها بزيت كاد ينضب ، وتمسحها فى أذيال دولة أحببناها جميعا لإخلاص رجالها فى خدمة قضايا أمتهم ، فلا تنكر مآثرهم شرقا وغربا ، وكل ما اشتكت منه بلاد الإسلام من حركات متطرفة هو امتداد لتلك الدعوة التى انقلبت - بعد أن عاثت فى البلاد – تفسد فى البلد نفسه الذى خرجت منه ، حفظه الله وسائر بلاد المسلمين من كل سوء ، ورد كيد أولئك عليهم ، فقد قال تعالى {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم}([4]) .
([1]) حلية البشر فى تاريخ القرن الثالث عشر ، (ص1612) .
([2]) ترجمة النبهانى لنفسه ، كما فى مقدمة شواهد الحق ، وحلية البشر فى تاريخ القرن الثالث عشر ، (ص 1613-1616) .
([3]) من أمارات تعصب الزركلى : أنه لم يذكر ترجمة النبهانى لنفسه المثبتة فى أول شواهد الحق فى الاستغاثة بسيد الخلق ، حتى لا يذكر كتابا فى الاستغاثة ، مع أن ترجمة الشخص لنفسه أهم ما كتب عنه ، ولا يخفى موضعها على مثل الزركلى وهو علامة واسعة الاطلاع ، ولكن أخفاها تعصبا . ولم يذكر كلام أحد ممن أثنى على النبهانى ، واقتصر على كلام عبد الحفيظ الفاسى صاحب معجم الشيوخ .
([4]) التأريخ لهذه الفترة الحرجة بحاجة إلى مزيد توسع ، لكن أذكر ما يساعد على الوقوف عليها من قريب ، ويكفى أن أحيلك على كلام صديق حسن خان (ت 1307 هـ) – وهو أحد العلماء الذين يحاول المتمسلفة الاستيلاء عليهم لتكثير سوادهم – وهو معاصر لتلك الدعوة ، فانظر كلامه فى توضيح حقيقة تلك الدعوة : أبجد العلوم (3/193- 200) .
ومن الناحية الفكرية والتأصيلية عند المتقدمين فانظر : دفع شبه من شبه وتمرد لشيخ الإسلام التقى الحصنى – شفاء السقام لشيخ الإسلام تقى الدين السبكى والدرة المضية – حميد الدين النعمانى الرد على ابن تيمية فى الاعتقادات - الفتاوى الحديثية لشيخ الإسلام ابن حجر الهيتمى – نجم المهتدى لابن المعلم القرشى .
أما من الناحية الفكرية والتأصيلية فى العصر الحديث فانظر : أعمال الإمام اللكنوى خاصة الرسائل لا الشروح على المتون - أعمال الشيخ داود بن سليمان البغدادى (ت 1299) - أعمال الشيخ سليمان بن عبد الوهاب خاصة الصواعق الإلهية ، والتوضيح عن توحيد الخلاق فى جواب أهل العراق - أعمال شيخ الإسلام أحمد زينى دحلان (ت 1304 هـ) خاصة تواريخه ، والدرر السنية - أعمال الشيخ يوسف الدجوى خاصة مقالاته وفتاويه – فرقان القرآن والبراهين الساطعة للشيخ سلامة العزامى – أعمال الشيخ زاهد الكوثرى وخاصة مقالاته ومقدماته لكتبه وقد جمعت مؤخرا فى مجلد واحد – أعمال الحافظ أحمد بن الصديق الغمارى – أعمال شيخ الإسلام عبد الله بن الصديق الغمارى وخاصة الرد المحكم المتين – سعادة الدارين للعلامة الشيخ إبراهيم السمنودى - براءة الأشعريين للعلامة الشيخ العربى التبانى – كشف الارتياب للعاملى .
(هذا المقال مقتطف من مقدمة جامع الأحاديث)

7- نموذج لتحريف الزركلى للتاريخ بسبب تعصبه للوهابية

تقلد الإمام المناوى – على ما يذكر التاج المناوى والمحبى – ((النيابة الشافعية ببعض المجالس فسلك فيها الطريقة الحميدة ، وكان لا يتناول منها شيئا ثم رفع نفسه عنها ، وانقطع عن مخالطة الناس ، وانعزل فى منزله ، وأقبل على التأليف ، فصنف فى غالب العلوم ، ثم ولى تدريس المدرسة الصالحية فحسده أهل عصره ، وكانوا لا يعرفون مزية علمه لانزوائه عنهم ، ولما حضر الدرس فيها ورد عليه من كل مذهب فضلاؤه منتقدين عليه . وشرع فى إقراء مختصر المزنى ونصب الجدل فى المذاهب ، وأتى فى تقريره بما لم يسمع من غيره فأذعنوا لفضله ، وصار أجلاء العلماء يبادرون لحضوره ، وأخذ عنه منهم خلق كثير منهم الشيخ سليمان البابلى ، والسيد إبراهيم الطاشكندى ، والشيخ على الأجهورى ، والولى المعتقد أحمد الكلبى ، وولده الشيخ محمد ، وغيرهم .
وكان مع ذلك لم يخل من طاعن وحاسد حتى دُسّ عليه السم فتوالى عليه بسبب ذلك نقص فى أطرافه وبدنه من كثرة التداوى ولما عجز صار ولده تاج الدين محمد يستملى منه التآليف ويسطرها وتآليفه كثيرة)) .فانظر إلى أى مدى يصل الحسد بالمرء ، وإذا علمت أن ضعف أطرافه وبدنه إنما هو من أثر السم والتداوى ، تعلم ما فى عبارة الزركلى من المجافاة للحقيقة حيث يقول ((انزوى للبحث والتصنيف ، وكان قليل الطعام كثير السهر ، فمرض وضعفت أطرافه)) ، مع كون الزركلى رجع فى ترجمته لخلاصة الأثر ، ولكن دفعه التعصب على العلماء الذين ليسوا على طريقته المتمسلفة إلى صياغة هذه العبارة بذلك الدهاء ، ليوقع فى قلب القارئ أن العلماء الصوفية قوم يخرجون على الشرع ، ويتعبدون ويتقشفون بما هو خارج عن السنة فهذا هو المناوى مع علمه قد خالف السنة فأكثر من الجوع والسهر حتى خارت قواه ، وليس الأمر كذلك بل الرجل شهيد العلم ، سمه حاسدوه حتى ينالوا وظيفته فى التدريس ، أو خشية أن يفضحهم بسعة علمه فيذهب هو بوظائفهم فيما توهموه ، أين هذه الصورة مما أراد الزركلى تصويره فى عبارته المختصرة ، فلله الأمر([1]) .
([1]) وسيأتى شىء من ذلك فى ترجمة النبهانى ، وكتابه الأعلام مشحون بأمثال ذلك كقوله فى التراجم : ((صوفى)) أو ((أشعرى)) ليوهم أنه مخالف ، وأن سائر العلماء ليسوا كذلك مع أن الغالبية العظمى من كبار العلماء كذلك ، وكالتقطير فى التعبير عن أمثال هؤلاء العلماء ، فإذا ظفر بمن على مشربه كال له بالمكيال الأوفى ، ورفع من شأنه جدا ، هذا مع عظيم نفع كتاب الأعلام ، وسعة اطلاع مؤلفه رحمه الله ، ولكن الإنصاف عزيز ، وإنما أردنا التنبيه على ذلك لانتشار الكتاب للغاية .
(هذا المقال مقتطف من مقدمة جامع الأحاديث)

6- الاجتهاد واجب عند النسق السائد لأهل السنة والجماعة (الأشعرى / الماتريدى - المذهبى - الصوفى)

الذى أنا على يقين منه أن أحدا من علماء المدارس الأصولية الكبرى([1]) لم يصرح بإغلاق باب الاجتهاد ، بل ساعدوا على شيوعه ، وتسهيل شروطه وعدم تعسيرها، بل كان بعضهم - كالإمام الغزالى([2]) - صريح الرغبة فى تخفيف شروطه، فإنه لا يذكر شرطا إلا عقبه بقوله : والتخفيف فيه كذا وكذا ، فيذكر ما يخفف الأمر فيه على طالب الاجتهاد . بل إن اهتمام العلماء بعلم أصول الفقه وبغيره من أدوات الاجتهاد تأليفا وتدريسا جيلا بعد جيل لأكبر دليل على عدم قولهم بإغلاق باب الاجتهاد . وليس أدل على ما نقول من أنهم قسموا الاجتهاد إلى واجب عينا وكفاية ، فكيف يكون واجبا عينا فى حالات ، ويكون بابه مغلقا ، وهل يتصور ممن يقولون بوجوبه عينا وكفاية أن يقولوا بإغلاقه أيضا ؟! .
وفى ذلك يقول العلامتان البهارى وابن الهمام رحمهما الله - مع زيادة بيان وإيضاح من الشروح - : ((…ثم قسموه – أى الاجتهاد – من حيث الحكم إلى :
1- اجتهاد واجب وفرض عينا على المجتهد المسئول عن حكم حادث عند خوف المجتهد فوت الحادثة بحيث لا يستطيع السائل السؤال من غيره ، ويخاف المجتهد أن يفوت أداء ما وجب على المستفتى فى تلك الحادثة على غير الوجه الشرعى حال الحادثة فيقع المستفتى فى مخالفة الشرع ، فيتعين الجواب على المجتهد . وواجب عينا على المجتهد فى حق نفسه إذا نزلت الحادثة به بحيث احتاج هو للعمل .
2- وواجب كفاية على المجتهد عند عدم خوف فوت الحادثة وثَم مجتهد غيره يتمكن السائل من السؤال منه ، فيتجه الوجوب على جميعهم حتى لو أمسكوا مع اقتدارهم على الجواب أثموا ، فالمجتهدون يأثمون بترك الاجتهاد حيث لا عذر لهم ، ويسقط الوجوب عن ذمة الكل بفتوى أحدهم – أى أحد المجتهدين – لحصول المقصود .
3- وإلى اجتهاد مندوب وذلك قبل وجوبه عينا أو كفاية كالاجتهاد قبل وقوع حادثة غير معلومة الحكم ليكون الحكم حاضرا عنده فينفعه عند وقوع الحادثة.
4- وإلى اجتهاد حرام فى مقابلة قاطع نص - من كتاب أو سنة - أو إجماع([3]) .
وسنلخص هنا ما يعين على فهم قضية الاجتهاد التى بقدر ما ثارت بقوة فى عصر السيوطى إنكارا عليه ، بقدر ما تثور فى عصرنا أيضا حيث يمثل الاجتهاد الأداة الأساسية لمواجهات مشكلات المسلمين المعاصرة ([4]) .
وحاصل ذلك أنهم اشترطوا فى المجتهد أن يعرف من الكتاب والسنة ما يتعلق بالأحكام ، وأن يعرف : الإجماع ، والقياس ، وكيفية النظر ، والعربية ، والناسخ والمنسوخ ، وحال الرواة ، ثم بينوا المراد بمعرفة ذلك ، فبالنسبة للقرآن الكريم لم يشترطوا حفظ جميع القرآن ولا معرفة جميعه ، قالوا : بل يكفى أن يكون عارفا بمواقعه حتى يرجع إليه فى وقت الحاجة . وكذلك قالوا فى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل صرح إمام الحرمين وغيره بأنه يكتفى فيه بالتقليد وتيسير الوصول إلى دركه بمراجعة الكتب المرتبة المهذبة . أما الإجماع فليس المراد حفظ تلك المسائل المجمع عليها بل طريقه أن لا يفتى إلا بشىء يوافق قول بعض المجتهدين أو يغلب على ظنه أنها واقعة متولدة فى العصر لم يكن لأهل الإجماع فيها خوض . وأما حال الرواة فيكتفى بتعديل أئمة علم الرجال كالبخارى ونحوه . قالوا : وأهم علوم المجتهد علم أصول الفقه . أما الفقه فمنهم من قال إنه لا يشترط العلم به أصلا للمجتهد لأنه ناتج الاجتهاد . ومنهم – كإمام الحرمين – من قال إنه لا بد منه فهو المستند لكن لا يشترط أن تكون جميع الأحكام على ذهنه فى حالة واحدة ولكن إذا تمكن من دركه فهو كاف . ويرى الإمام الغزالى - بعد أن خَفَّفَ من شروط الاجتهاد - أن اجتماع كل هذا إنما يشترط فى حق المجتهد المطلق الذى يفتى فى جميع المسائل ، وليس الاجتهاد منصب لا يتجزأ ، بل يجوز أن يقال للعالم بمنصب الاجتهاد أن يجتهد فى بعض الأحكام دون بعض … وليس من شرط المفتى أن يجيب عن كل مسألة . ويقول الإمام الرازى : ((واعلم أن الإنسان كلما كان أكمل فى هذه العلوم التى لا بد منها فى الاجتهاد كان منصبه فى الاجتهاد أعلى وأتم ، وضبط القدر الذى لا بد منه على التعيين كالأمر المتعذر))([5]) .
والحاصل مما ذكروه : أن الشرط الحقيقى للمجتهد فقه النفس – وهو غير كسبى – والعلم الواسع بطرق الاستدلال ، أما ما عدا ذلك من العلم بالكتاب والسنة والفقه والعربية فيكفيه الإلمام بذلك ، والقدرة على فهم النصوص وكلام العلماء ، والقدرة على الكشف عن الآيات والأحاديث والمسائل فى مظانها من المصادر والمراجع المختلفة ، بحيث إذا احتاج إلى النظر فى مسألة سهل عليه الوقوف على ما ورد فيها من الكتاب والسنة وسهل عليه الوقوف على كلام العلماء حولها ، واستعمل فى كل ذلك فقه نفسه وقدرته على الاستنباط للوصول للحكم الشرعى .
وفى ذلك يقول أحد العلماء المتأخرين وهو الشيخ الجاوى (ت بعد سنة 1306 هـ) : ((يكفى معرفته لجمل من كل علم منها ، وهو أمر سهل فى هذا الزمان ، فإن العلوم قد دونت وجمعت))([6]) .
وفى اعتقادى أن كل من حصل على العالمية الأزهرية القديمة فقد حصل آلات الاجتهاد جميعا ، فقد كانوا للحصول عليها يمتحنون فى خمسة عشر علما تجمع علوم المقاصد والآلات جميعا ، ويمتحنون فى كل علم على أعلى درجات التخصص فيه ، فكأنه يحصل على درجة الدكتوراه الحالية فى كل علم على حدة ، فماذا كان ينقصهم للاجتهاد من الناحية العلمية ، لا شىء إلا الاشتغال به ، وإخراجه من حيز القوة إلى الفعل ، وهذا ما تراه اتصف به حقا طبقة العلماء فى القرن الماضى ممن تعلموا بهذه الطريقة العميقة ، وظهر فى مصنفات من صنف منهم كالشيخ بخيت المطيعى ، والشيخ الدجوى ، والشيخ سلامة العزامى ، والشيخ محمد حسنين مخلوف العدوى المالكى ، وابنه مفتى الديار حسنين محمد حسنين مخلوف الحنفى ، ومولانا شيخ الإسلام عبد الله بن الصديق الغمارى ، وغيرهم من هذه الطبقة التى تعلمت على شيوخ آخر طبقات المؤلفين على طريقة الحواشى ، ثم عاصرت الصدمة الحضارية ، وتتابع النوازل علينا ، ثم ما يعرف بالنهضة الحديثة ، فشاركت هذه الطبقة بقوة واجتهاد وعلم ، ولهذا أعدها أكثر طبقات الأزهريين تمثيلا للمدرسة الأزهرية الأصيلة([7]) .
ونختم الكلام فى هذه المسألة برأى الإمامين الكبيرين أبى شامة وشيخ الإسلام تقى الدين السبكى .
يقول الإمام أبو شامة – فيما نقله عنه التقى السبكى فى معنى قول الإمام المطلبى - : ((إن الله يسر وله الحمد الوقوف على ما ثبت من الأحاديث وتجنب ما ضعف منها مما جمعه الحفاظ كالصحيحين والمستدرك عليهما وابن خزيمة والترمذى وأبى داود والنسائى وابن ماجه وابن حبان والدارقطنى والبيهقى ، فلا عذر فى ترك الاشتغال بها ، وكذلك المسائل الفقهية المبنية على اللغة كل ذلك إلى علماء اللسان ، فالتوصل إلى الاجتهاد ميسور وأسهل منه قبل اليوم ، لولا قلة همم المتأخرين وعدم المعتبرين ، ومن أكبر أسبابه تعصبهم وتقيدهم برفق الوقوف (كذا فى المطبوع) ...)) .
قال التقى السبكى : ((وتضييع كثير من زمانهم بالتوسع فى علوم غير علوم الشريعة ، أو فى علوم الشريعة بالجدل والتعمق فى التفريعات الدقيقة ، فيشغلهم ذلك عن فهم نفس الشريعة ، والاطلاع على قواعدها الكلية وأسرارها التى هى أكثر نفعا ، وبذلك وصل المتقدمون إلى الاجتهاد ، وبتركه حرمه المتأخرون))([8]) .
وهذا نص واضح وقاطع من إمامين من أكابر العلماء ليس فقط بفتح باب الاجتهاد ، وإنما بتأكيد أنه أكثر انفتاحا من العهود السابقة عليهم ، وذلك بتيسر أسبابه ، كما يضع النص أيدينا على أهم المشكلات التى تمنع من الوصول إلى الاجتهاد ، ويبين لنا الطريق الصحيح للوصول إليه .
كل هذا يلقى بكثير من ظلال الشك على ما شاع بيننا من إغلاق العلماء باب الاجتهاد ، واتهام علمائنا المتقدمين بالجمود والتقليد ، وهى قضية من قضايا كثيرة شائعة فى أوساطنا الفكرية تحتاج إلى كثير من المراجعة والتحرير وبيان الحق فيها ، حيث استغرقت بسبب شيوعها على وجه الخطأ جهدَ كثير من المعاصرين ، ولو عُرف حقيقة كلام العلماء فيها لوفرنا كثيرا من الجهد لمناقشة قضايانا الحقيقية التى هى بحاجة لمناقشة ، وعلى أقل تقدير كان الجهد المبذول فى مناقشة هذه القضية أولى أن يبذل فى تمهيد أسباب الاجتهاد بما يناسب العصر الحالى .
فالتشديد - غير المبرر - فى أسباب الاجتهاد أدى إلى إحباط عام مما ترتب عليه فوضى الاجتهاد الذى نعانى منه الآن ، وبين إغلاق باب الاجتهاد تماما أو فتحه على مصرعيه دون ضابط ، هناك الموقف الحقيقى - الذى عرضناه - لعلمائنا المتقدمين وكثير من محققى المتأخرين والمعاصرين ، وقد قرروه على مستوى التنظير ، ومارسوه على مستوى التطبيق([9]) ، فلا بد من التمسك به .
وما الإمام السيوطى إلا نموذج لذلك .
كل ذلك يلقى بعبء المسئولية على العلماء المعاصرين ، فإذا كانت أسباب الاجتهاد قد يسرها السابقون بما قدموه من إنتاج علمى وأدوات وآلات الوصول إلى الاجتهاد ، والتى قد تيسرت أكثر وأكثر بما استحدث من طرق البحث عن المعلومات من فهارس وكشافات وحاسب آلى … إلخ ، ولم يبق للعالم إلا إتقان مناهج الاستنباط ، وإتقان استخدام كل أدوات الاجتهاد ، والتدرب على الاجتهاد .يقول الإمام الغزالى عند مناقشة هل يشترط معرفة الفقه للمجتهد : ((إنما يحصل منصب الاجتهاد فى زماننا (زمانه ، وهو حاصل فى زماننا أيضا) بممارسته (يعنى ممارسة الفقه) ، فهو طريق تحصيل الدربة فى هذا الزمان ، ولم يكن الطريق فى زمان الصحابة ذلك ، ويمكن الآن سلوك طريق الصحابة أيضا))([10]) .
([1]) لنا دراسة موسعة عن الطرق الأصولية والمدارس المندرجة تحتها وأهم مميزاتها فى مقدمتنا لتحقيق نهاية السول للإسنوى (أعان الله على طبعه) ، كما تناول الحديث عن تلك المدارس العديدُ ممن كتب فى أصول الفقه .
وحاصل ذلك أن هناك ثلاث طرق رئيسية فى علم أصول الفقه : طريقة المتكلمين أو الشافعية ، وطريقة الحنفية ، وطريقة الجمع بينهما ، هذه الطرق جميعا بمدارسها المتفرعة منها خدمها أعلام العلماء ، وتمثل بحق الثقل الأصولى على امتداد القرون ، وليس فيها – فيما اطلعنا عليه من كتبها – من أغلق باب الاجتهاد ، أو تعسف فى شروطه تضييقا له .
أما طريقة المتكلمين أو الشافعية – وهى أقوى الطرق الأصولية وأوفاها نظرا - فالمدارس السائدة فيها هى : مدرسة الفخر الرازى فى كتابه المحصول وفروعه ، ومدرسة الآمدى فى كتابه الإحكام وفروعه ، ومدرسة التاج السبكى فى كتابه جمع الجوامع وفروعه . وهذه المدارس الثلاثة هى أشهر وأوثق مدارس المتكلمين الأصولية . وترجع هذه المدارس إلى أصول مهمة تعتبر أمهات علم الأصول قبل استقرار مدارسه ، وعلى رأس هذه الأمهات : البرهان لإمام الحرمين ، المستصفى للغزالى ، المعتمد ، شرح العمد كلاهما لأبى الحسين البصرى . وعلى هذه الأربعة تحديدا بنيت مدرستا الفخر الرازى ، والآمدى حيث لخصا هذه الأربعة فى كتابيهما المحصول ، والإحكام .
وسنجد أن المالكية والحنابلة قد انضموا إلى أحد هذه المدارس فى الأغلب ، مع بيان أصول مذهبهم فيما خالف فيه الشافعية ، فسنجد مثلا أن القرافى المالكى من مدرسة المحصول ، وابن الحاجب المالكى من مدرسة الآمدى ، وابن رشيق المالكى (ت 632هـ) من مدرسة الغزالى التى هى أحد أصول مدرسة الرازى . أما الحنابلة فإنهم بنوا غالبا على مدرسة المستصفى – الذى هو أحد الأصول الأربعة لمدرسة المحصول – حيث إن أشهر كتبهم الأصولية هو الروضة لابن قدامة وهو مختصر للمستصفى ، وحول الروضة بنى الحنابلة صرحهم الأصولى .
أما الحنفية فلهم طريقة خاصة بهم فى أصول الفقه ، ويمثل كتاب أصول السرخسى (ت 490 هـ) أحد أهم أمهات طريقة الحنفية ، أما أهم مدارس طريقة الحنفية فمدرستان : مدرسة البزدوى ، ومدرسة المنار . أما مدرسة البزدوى فدارت حول كتاب أصول الإمام البزدوى (ت 482 هـ) وهناك حوالى (15) عملا دارت حوله ذكرها فى كشف الظنون (1/112 – 113) . أما المنار لأبى البركات النسفى (ت 710 هـ) فيعد من أهم ما يعبر عن طريقة الحنفية ويجمع شتات أصولهم ، ولهذا اعتنى به علماء الحنفية عناية بالغة ، وصار له أتباع ، بما يمكن أن يعد مدرسة خاصة داخل طريقة الحنفية تناظر مدارس المتكلمين . انظر بخصوص المنار وما دار حوله من أعمال أصولية والتى تجاوز عددها خمسين عملا : كشف الظنون (2/1824 – 1827) .
أما طريقة الجمع بين طريقتى الشافعية والحنفية فيمثلها عدة أعمال أصولية مهمة على رأسها : التحرير للكمال ابن الهمام الحنفى – والتنقيح لصدر الشريعة – ومسلم الثبوت لمحب الله البهارى .
لمزيد من المعلومات عن علم أصول الفقه وأهم المؤلفات فيه انظر : مفتاح السعادة لطاش كبرى زاده (2/163-172) ، وأبجد العلوم للقنوجى (2/95- 107) .
هذا تعريف مختصر بهذه الطرق الأصولية ومدارسها ، وهو كالتمهيد لما قلناه من أننا ((على يقين من أن أحدا من علماء المدارس الأصولية الكبرى لم يصرح بإغلاق باب الاجتهاد ...)) إلخ ، فلم نلق القول جزافا ، ولا ادعينا عليهم أمرا ، وسيأتى توثيق المسألة من مصادر كل مدرسة .
([2]) انظر : المستصفى (2/350- 354) .
([3]) انظر : مسلم الثبوت للبهارى مع شرحه فواتح الرحموت (2/362-363) والتحرير للكمال ابن الهمام (ص 523) ، تيسير التحرير لأمير بادشاه (4/179 – 180) .
([4]) لنا بحث غير منشور بعنوان ((حول قضية الاجتهاد)) تناولنا فيه هذه القضية بالتفصيل حيث تكلمنا عن أنه لا بديل عن الاجتهاد ، وأن الاجتهاد تكليف وضرورة ، وأنه روح عامة ، وتحدثنا عن قيمة الاجتهاد وتعريفه ومجاله ومناطه ومسئولية المجتهدين ومراتبهم ، وبيان أنه لا يخلو عصر من مجتهد ، وفقه الواقع ، ووضحنا موقف العلماء من شروط الاجتهاد ، وتيسر الوصول إليه ، وأهمية التدرب على الاجتهاد ، ووقفنا بوجه خاص على إشكالات الاجتهاد الفقهى ، وإجراءاته ، وعلى الاجتهاد فى العصر الحديث إلى غير ذلك من القضايا التى اهتم بها البحث . وقد حرصنا فى كل هذا على بيان الموقف الأصيل لعلمائنا المتقدمين ، وإبراز الوجه المشرق لهم ، ودفع تهمة الجمود والتقصير عنهم ، وأننا انشغلنا بمهاجمتهم – وليس ذلك بواجب علينا – عما هو واجب علينا من تحصيل أدوات الاجتهاد وممارسته .
([5]) انظر بخصوص قضية الاجتهاد وما أكدناه سابقا من عدم مناداة أحد من أتباع هذه المدارس بإغلاق بابه ، بل نادوا بتيسير أسبابه وشروطه :
1- أمهات علم الأصول : البرهان لإمام الحرمين (ت 478 هـ) ، (2/869-871) . الورقات لإمام الحرمين ، (ص 37 - 38) ، ومع شرح المحلى (ت 864 هـ) بحاشية الدمياطى (ت 1117 هـ) ، (ص 22-23) . وبحاشية الجاوى المسماة النفحات على شرح الورقات (ص 163- 167) . ومع الشرح الكبير لابن قاسم العبادى (ت 994 هـ) ، (2/524-544) ، وفيه عرض جيد لآراء العلماء حول شروط الاجتهاد . المستصفى للغزالى (ت 505 هـ) ، (2/350- 354) . شرح العمد لأبى الحسين البصرى المعتزلى (ت436 هـ) ، (1/372-378 ، 2/235 وما بعدها) . المعتمد لأبى الحسين أيضا (2/357 وما بعدها) وفيهما كلام نفيس عن الاجتهاد وطرقه وأساليبه . اللمع لأبى إسحاق الشيرازى (ت 478 هـ) ، (ص71-72) . الوصول إلى علم الأصول لابن برهان (ت 518 هـ) ، (2/337-382) ، ولم يتعرض صراحة لشروط الاجتهاد لكن فى المسائل التى تناولها عن الاجتهاد ما يوضح رأيه فى ذلك .
وممن يندرج تحت هذا القسم : لباب المحصول فى علم الأصول (2/711-714) ، وهو لابن رشيق المالكى (ت632 هـ) اختصر فيه المستصفى للغزالى .
2- مدرسة المحصول انظر : المحصول للإمام الرازى (ت 606 هـ) ، (ج2/ ق3/ ص6 ، 30 – 37). الحاصل للتاج الأرموى (ت 653 هـ) ، (2/1000) . التحصيل للسراج الأرموى (ت682 هـ) ، (2/281 ، 286-288) . شرح تنقيح الفصول فى اختصار المحصول للإمام القرافى (ت 684 هـ) ، (ص429 ، 437-438) . المنهاج للبيضاوى (ت 685 هـ) ، (ص 118-119) . وشروحه : شرح الجزرى (ت 711 هـ) ، (2/289-290) . شرح المنهاج للشمس الأصفهانى (ت 749 هـ) ، (2/821 ، 831-835) . الإبهاج للتاج السبكى (ت 771 هـ) ، (7/2897- 2905) . نهاية السول شرح منهاج الأصول للإسنوى (ت 772 هـ) ، (2/1035-1038) .
3- مدرسة الآمدى ، انظر : الإحكام للآمدى (ت 631 هـ) ، (4/141-143) . منتهى السول للآمدى (3/57) . المختصر لابن الحاجب (ت 646 هـ) ، والمسمى منتهى السول والأمل فى علمى الأصول والجدل (ص 156) ، ويعرف أيضا بمنتهى الوصول كما أثبت على طرة المطبوع . مختصر المنتهى لابن الحاجب مع شرح العضد (ت756 هـ) ، (2/289-309) . بيان المختصر للشمس الأصفهانى (ت 749 هـ) ، (2/805) . شرح مختصر المنتهى للرهونى (ت 773 هـ) والمسمى تحفة المسئول فى شرح مختصر منتهى السول (4/243) . وقد تعرض الآمدى باختصار لشروط المجتهد ، بينما أعرض عنها ابن الحاجب ، لكن ما تناولوه هو وشراحه من مسائل الاجتهاد يكفى لبيان الصورة التى أثبتناها من عدم إغلاق باب الاجتهاد وتيسره وجواز تجزئته .
4- مدرسة جمع الجوامع : جمع الجوامع لابن السبكى (ت 771 هـ) ، مع شرح المحلى (ت 864 هـ) بحاشية البنانى (2/382 – 386) . تشنيف المسامع بجمع الجوامع للزركشى (ت 794 هـ) ، (4/563-575) . غاية الوصول شرح لب الوصول لشيخ الإسلام زكريا الأنصارى ، وهو مختصر جمع الجوامع (ص 147 – 148) . التعرف لابن حجر الهيتمى وهو مختصر جمع الجوامع ، مع شرحه لابن علان ، (ص 98- 100) .
5- مدرسة الفقهاء أو الحنفية : المنار لأبى البركات النسفى (ت 710 هـ) مع شرح ابن نجيم (ت 970 هـ) المسمى فتح الغفار (3/34- 35) . ومع شرح علاء الدين الحصنى المسمى إفاضة الأنوار وحاشية ابن عابدين المسماة نسمات الأسحار (ص 225 – 226) . مختصر المنار لزين الدين الحلبى (ت 808 هـ) ، (ص 21) .
6- مدرسة الجمع بين طريقتى الشافعية المتكلمين والحنفية : التلويح على التوضيح شرح التنقيح للسعد التفتازانى (2/234 – 236) ، وتغيير التنقيح لابن كمال باشا (ت 940 هـ) ، (ص226) . مسلم الثبوت لمحب الله بن عبد الشكور البهارى (ت 1119 هـ) ، مع شرحه فواتح الرحموت لعبد العلى محمد بن نظام الدين الأنصارى (ت 1225 هـ) ، (2/362 -366) . التحرير للكمال ابن الهمام (ت 861 هـ) ، (ص 523-524) ، وشرحه تيسير التحرير لمحمد أمين المعروف بأمير بادشاه الحسينى البخارى (ت نحو 972 هـ) ، (4/178- 183) .
7- المؤلفات الأصولية التى لا تندرج تحت مدرسة بعينها فيما نعلم : أدب المفتى والمستفتى لابن الصلاح (ت 643 هـ) ، (ص 86- 91) . قواعد الأصول لصفى الدين الحنبلى (ت 739 هـ) ، (ص 136-137) . البحر المحيط للزركشى (ت 794 هـ) ، (8/229-238). إرشاد الفحول للشوكانى (ت 1250 هـ) ، وهو كالمختصر للبحر المحيط للزركشى (2/297 - 303) وفيه تحرير جيد لشروط الاجتهاد بحسب رأى الشوكانى ، ومناقشة لآراء العلماء .
فهذه استقراء واسع لكتب الأصوليين من كافة مدارسهم لم يصرح فيهم أحد بما يشنع به على علمائنا من أنهم أغلقوا باب الاجتهاد ، وإنما نظموه وضبطوه ، وبينوا شروطه ، دون إفراط فيشددوا ، أو تفريط فيدعيه كل أحد ، حتى لا تصير الأمور فوضى .
([6]) حاشية النفحات على شرح الورقات للشيخ أحمد بن عبد اللطيف الجاوى الشافعى (ت بعد 1306 هـ) ، (ص 165) .
([7]) تحتاج هذه الفترة الغنية باجتهادات العلماء ، إلى دراسة وافية تركز على الجانب الاجتهادى فى الحياة العلمية والفكرية لعلماء هذه الفترة والتى تمتد من أوائل القرن الرابع عشر الهجرى وعلى مدى أكثر من خمسين عاما .
([8]) انظر ((معنى قول الإمام المطلبى إذا صح الحديث فهو مذهبى)) ، لشيخ الإسلام تقى الدين السبكى (ت 756 هـ) ، ص 108 – 109 .
([9]) ممارسة الاجتهاد لم يخل منها عصر ، وأقل نظرة على فتاوى العلماء على مر العصور تظهر ذلك ، وإليك نماذج من أصحابنا الشافعية بدءا من فتاوى القفال المرزوى (ت 417 هـ) وهى تحت الطبع بتحقيقنا ، ومرورا بابن الصلاح (ت 643 هـ) ، والعز ابن عبد السلام (ت 660 هـ) ، والنووى (ت 676 هـ) ، والتقى السبكى (ت 756 هـ) ، ومن بعدهم الشمس الرملى (ت 1004 هـ) ، وابن حجر الهيتمى (ت 974 هـ) . فضلا عن فتاوى علماء المالكية والذى يمثل المعيار المعرب فى فتاوى علماء المغرب أقوى نموذج لذلك ، وانتهاء بفتاوى الشيخ عليش (ت 1299 هـ) ، وفتاوى علماء الحنفية نحو فتاوى قاضيخان (ت 592 هـ) ، والفتاوى الهندية ، وانتهاء بفتاوى ابن عابدين (ت 1252 هـ) ، وفتاوى جدنا لوالدتنا الشيخ محمد المهدى شيخ الجامع الأزهر (ت 1315 هـ) ، المجموعة فى أربعة مجلدات بعنوان الفتاوى المهدية . ومن بعدهم من كبار متأخرى العلماء كالشيخ بخيت المطيعى (ت 1354 هـ) ، ومحمد حسنين العدوى المالكى (ت 1355 هـ) ، وسلامة العزامى (ت 1376 هـ) ، ويوسف الدجوى (ت 1365هـ) ، والحافظ أحمد الغمارى (ت 1380هـ) ، وانتهاء بشيخنا شيخ الإسلام عبد الله الغمارى (ت 1413 هـ) . فهذه نماذج بارزة بداية من عصر استقرار المذاهب الكبرى فى القرن الخامس الهجرى وعلى مدى عشرة قرون إلى أوائل القرن الخامس عشر ، ومن لم نذكرهم أكثر مما ذكرناهم ، وإنما اقتصرنا على من هم من رموز المدرسة المحافظة التقليدية (إن صح التعبير) والذين حملوا لواء التجديد والإصلاح الحقيقى ، أما رموز ما يسمى بالمدرسة الإصلاحية فمعروفون اشتهر بين الناس دورهم فى الإصلاح والتجديد ، ونحيل من أراد التوسع على حسن المحاضرة للسيوطى حيث عقد فصولا للمجتهدين فى مصر فى شتى العلوم منذ دخلها الإسلام وإلى عصر السيوطى فى القرن العاشر ، فذكر عشرات من المجتهدين ، هذا فى بلد واحد فما بالك بسائر ديار الإسلام . فإذا كان الاجتهاد – كما صورناه – لم ينقطع فما الذى حدث لنا ، فليس عدم المجتهدين إذن سبب تخلفنا وضعفنا وهواننا ، بل عدم السماع للعلماء فيما فيه صلاحنا ، والكسل والدعة والتهاون والفساد والركون وترك أسباب القوة والتقدم … هو سبب أننا فى ذيل الأمم اليوم .
([10]) المستصفى (2/353) . ووافقه العلامة السعد التفتازانى فى التلويح (2/236) .
(هذا البحث مقتطف من مقدمة جامع الأحاديث)

5- كيف تكون النسق السائد لأهل السنة والجماعة ، وبيان مفهوم البدعة وقاعدة التزام الأدب مقدم على امتثال الأمر عندهم

(هذا المقال كتب فى الأساس كتمهيد لتراجم الأئمة : السيوطى - المتقى الهندى - المناوى - النبهانى المثبتة فى مقدمة جامع الأحاديث)
كلمات أحب أن أسجلها فى هذا التمهيد قبل أن تستغرقنا تلك الأوراق المقبلة التى سنحيا فيها مع سِيَر أربعة علماء من كبار أئمتنا ساهموا أبلغ المساهمة فى بناء حضارتنا الإسلامية ، وكانوا من روافد نقل هذا الدين نقيا طاهرا كما تلقوه من شيوخهم عن شيوخهم وهكذا إلى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عنه صلى الله عليه وسلم بنفسى هو وبأبى وأمى ، ولينتقل لنا ديننا الحنيف عبر تلاميذهم وآثارهم نقيا طاهرا كما تلقيناه ، ولنحمل أمانة الحفاظ عليه ونقله لمن بعدنا ، كما حُمِّلْناه ، ومن منا أو منهم يستطيع أن يتحمل إثم التبديل والكتمان ، أو الزيادة والنقصان .
لقد حاول مئات العلماء أن يستقرئوا شريعة الإسلام وفقهها ، ونجح عشرات منهم فى ذلك حتى عُمِلَ بطريقتهم فى الفقه عقودا أو قرونا ، ثم اندمج بعض المذاهب فى بعض من خلال الجدل العلمى طيلة عقود ، ليبقى مذهب من اتسعت دائرةُ استقرائه للشريعة ، واستطاع أن يقدم منهج فقهى أكمل ، وليذهب من عجز منهجه أو قصر .
وما حدث فى الفقه (مرتبة الإسلام) حدث فى العقيدة (مرتبة الإيمان) ، فسعى علماء أهل السنة لاستقراء عقيدتهم وتحليلها ، وبيان منهجها وقواعدها ، فمنهم من نجح فى الوصول إلى هذه الغاية ومنهم من قصر ، ويأتى على رأس الناجحين فى استقراء عقيدة أهل السنة وتقعيدها وتقريرها الإمامان : أبو الحسن الأشعرى (ت 324 هـ) ، وأبو منصور الماتريدى (ت333 هـ) ، واللذان لا يعدو دورهما فى العقيدة – ودور غيرهما من أئمة علماء العقيدة من أهل السنة – دور أئمة الفقه كأبى حنيفة ومالك والشافعى وأحمد رحمة الله على الجميع .
فجهد الأشعرى والماتريدى لا يعدو تقرير عقيدة أهل السنة بأساليب عقلية ونقلية وتقعيدها وتنظيرها وتدوينها بعد أن لم تكن مدونة شأنها شأن علوم الإسلام كافة .
ولكن يأبى أصحاب الدعوات المحدثة المبتدعة إلا أن يصوروا للعامة – زورا وبهتانا – أن الأشعرى والماتريدى من أصحاب الفرق المخالفة لأهل السنة والجماعة ، ويحشرونهما حشرا فى مؤلفاتهم عن الفرق المخالفة .

والذى يخفى على كثير من العامة أن ذلك الصنيع يؤدى حتما إلى إخراج علماء الأمة كافة من أهل السنة والجماعة ، لأنهم جميعا درسوا عقيدة أهل السنة واعتقدوها بناء على طريقة الأشعرى أو الماتريدى ، وليصبح أهل السنة فقط هم من رضى عنهم أصحاب تلك الدعوات ، فغروا الناس بهم ، وأرهبوهم تارة ورغبوهم تارة . ومن ذا يحب أن يتهم ببدعة أو مخالفة فى العقيدة ، ولهذا سَلَّم لهم كثير من العامة فرارا من التهمة ، وظنا فى صحة تلك المزاعم ، ومن هنا شاعت تلك الدعوة بين كثير من العامة لا لصوابها ولا لكونها أحيت السنة ، ولكن لإرهابها الناس بالتهم الباطلة ، وإغرائهم بالأموال الطائلة ، والسعى الحثيث وراء نشر الكتيبات والمؤلفات حسب دعوتهم وتوزيعها بالمجان على ملايين المسلمين .
هذا ما كان من حال الفقه والعقيدة (مرتبتى الإسلام والإيمان) ، وهو نفسه الحال الذى جرى فى التصوف (مرتبة الإحسان) ، فكان هناك مئات من المجتهدين فى استقراء طرق الشرع فى تهذيب النفس ، وقد وقع لهذه الطرق فى تهذيب النفس ما وقع للمذاهب الفقهية من اندماج بعضها واختفاء بعضها .
وكما سمَّوا العلم الذى يتناول مرتبة الإسلام فقها ، فقد سموا العلم الذى يتناول مرتبة الإيمان عقيدة ، وسموا العلم الذى يتناول مرتبة الإحسان تصوفا .
وكما سموا طرق المجتهدين فى الفقه مذاهب ، فيقولون : مذهب الشافعى ومذهب مالك ، فقد سموا سبل المجتهدين فى العقيدة مذهبا وطريقة ، فيقولون : طريقة الأشعرى ومذهبه ، وسموا مذاهب المجتهدين فى التصوف طريقة ، فيقولون : طريقة أبى الحسن الشاذلى ، وطريقة شاه نقشبند . ونسبوا كل طريقة ومذهب إلى أول من قررها وقعدها بناء على استقراء الشرع الحنيف ، لا أنهم اخترعوا ذلك أو ابتدعوه أو زادوه على الدين المحفوظ ، مثلهم فى نسبة ذلك إليهم مثل نسبة القراءات القرآنية إلى أئمتها كقراءة حفص وقراءة نافع … إلخ ، فنسبة القراءة إليهم نسبة اشتهار ، لا نسبة وضع وتأسيس ، وإلا فالقراءة سنة متبعة عن النبى صلى الله عليه وسلم .
ولهذا ستجد المذاهب والطرق جميعا ترجع بأسانيدها إلى الصحابة عن النبى صلى الله عليه وسلم
، فمذهب الإمام أبى حنيفة يرجع فى مجمله إلى مدرسة سيدنا عبد الله بن مسعود ، ولهذا تكثر موافقته له ، ومذهب الإمام مالك يرجع فى مجمله إلى مدرسة سيدنا عبد الله بن عمر بن الخطاب ، ومذهب الإمام الشافعى يرجع فى مجمله إلى مدرسة سيدنا عبد الله بن عباس ، وطريقة الشاذلى ترجع بأسانيدها إلى جملة من الصحابة على رأسهم سيدنا على بن أبى طالب ، وطريقة شاه نقشبند ترجع إلى جملة من الصحابة أيضا على رأسهم سيدنا أبو بكر الصديق رضى الله عن الجميع ، وهكذا فى سائر مذاهب أهل السنة وطرقها .
وكما اجتهد المجتهدون فى الفقه فمنهم من أصاب ومنهم من أخطأ ، فقد اجتهد المجتهدون فى العقيدة ، واجتهد المجتهدون فى التصوف ، فأصاب من أصاب وأخطأ من أخطأ ، وكما ادعى الفقه من ليس بفقيه ليشرف بالانتساب إليه ، فقد ادعى العلم بالعقيدة من ليس بمتكلم ، وادعى التصوف من ليس بصوفى ، ووقع ذلك فى علوم الإسلام كافة فهناك من انتسب للعلم بالسنة وحفْظ الحديث الشريف وليس كذلك ، وهناك من ادّعى العلم بالعربية وهو جاهل بها ، فهل ذُمَّ علم منها بسبب كثرة ادعاء المدعون له ، فلولا شرف الانتساب لعلم منها ما ادعاه المدعون ، وكلما ازداد علم منها شرفا كلما ازداد المدعون له عددا .
ولكن ما هو مسمى التصوف عندهم ؟ وما غرضه ؟
مسمى التصوف عندهم هو عرض أمر المرء كله فى صغيره وكبيره ، ظاهره وباطنه ، دقيقه وجليله ، على الكتاب والسنة ، بحيث لا يقدم عليه إلا عن بينة من دين الله ، مسمى التصوف عندهم هو {قل إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين لا شريك له} ، مسمى التصوف عندهم إدامة الحضور بين يدى الله ((أن تعبد الله كأنك تراه)) فلا تُخْرج نَفَسا إلا وأنت مراقب لله فيه هل خرج من صدرك فيما يرضى ربك ، هذا هو مسمى التصوف عندهم ، وهو يحتاج إلى فهم عميق وعلم واسع بالكتاب والسنة ، إذ غرض التصوف عندهم هو العمل بالكتاب والسنة لا غير ، فهل تراه يختلف أحد على هذا المسمى أو الغرض منه .
فإذا اتفقنا على المسميات والمعانى يصبح من الحماقة الاختلاف على الأسماء ، فسمه تصوفا ، سمه سلوكا ، سمه تزكية ، سمه إحسانا ، سمه علم نفس ، سمه ما شئت .
ويصبح من الحماقة أيضا جعل ما يصدر عن الطغام والجهال هو المعيار فى قبول ذلك المسمى الشريف أو رفضه ، ومن الحماقة أيضا رفض المبادئ أو القيم المثلى لعدم وجود من يعمل بها ، أو الحكم عليها بسلوك العوام من أهلها .
وإلا فهل ترضى أن يحكم على الإسلام بعظمته وشموخه وكماله وأنه لسعادة البشر بأنه ليس كذلك لأننا أتعس الأمم الآن وأضعفها .
ولنقلها صريحة : أين هو من علماء الأمة من ليس له مذهب فقهى وعقيدى وصوفى ؟ ثم ما هو الغالب على الجماهير المجمهرة منهم ، إن الغالب عليهم هو ما سنجد السيوطى والمتقى الهندى والمناوى والنبهانى عليه ، ويعجبنى أن هؤلاء الأربعة ليسوا من بلد واحد فيقال طريقة أهل بلد واحد فما بال سائر البلدان ، فمن هؤلاء الأربعة مصريان أقاما بمصر (السيوطى – المناوى) ، وهندى أقام بمكة (المتقى الهندى) ، وشامى (النبهانى) ، ولو فتشت سائر بلدان الإسلام لوجدتهم جميعا على ذات النهج .
ولهذا لن تعجب إذا وجدت أن هؤلاء الأربعة الذين كانوا من خدمة السنة النبوية الشريفة ، والذين نمهد بهذا التمهيد بين يدى تراجمهم ، لن تعجب إذا وجدت شأنهم شأن غيرهم من كافة العلماء فى كافة الأمصار قد انتسبوا لمذهب فقهى من المذاهب الأربعة التى استقر عليها الأمر ، وجميعهم من أهل السنة على طريقة الأشعرى أو الماتريدى ، وانتسبوا جميعا للتصوف تعلقا وسلوكا وتأليفا ، تلك المذاهب والطرق جميعا التى بنيت وشيدت فى أصولها وطريقة استثمار فروعها على الكتاب والسنة ، ولن تعجب إذا وجدت أن العقل الجمعى الذى تشكل لدى علماء أمتنا هو عقل مبنى على الكتاب والسنة فى أسسه ، وقيمه ، ومناهجه ، وسلوكه ، وحركته الفكرية ، وإدراكه للواقع ، وأدواته لإعادة صياغة ذلك الواقع ليكون أكثر اقترابا من مراد الله فيه .
ولنذكر هنا نموذجين يمسان حياتنا المعاصرة لكثرة الشغب حولهما ، لنرى كيف كان أئمتنا وعلماؤنا يقررون قواعدهم ومذاهبهم ، وكيف كانوا يفهمون الكتاب والسنة بناء على فهم الصحابة أنفسهم له : النموذج الأول معنى البدعة ، والنموذج الثانى : قاعدة (التزام الأدب مقدم على امتثال الأمر) . وسنرى من خلال هذين النموذجين أن الجماهير المجمهرة من العلماء لم يخرجوا فيهما عن الكتاب والسنة قيد أنملة ، وإن زعم من زعم من متمشيخة هذا العصر خلاف ذلك .
النموذج الأول : معنى البدعة ، ومفهوم البدعة هو أحد المفاهيم المحورية ، والذى يفصل أولا بين ما هو مشروع وما هو غير مشروع ، ويفصل ثانيا بين العالم الحقيقى ومدعى العلم ، ولأهمية هذا المفهوم وخطورته أصبح من أكثر المفاهيم التى أسىء استخدامها هو ومفهوم الاجتهاد ، وتحت رايتهما تحولت السنة إلى بدعة ، والبدعة إلى سنة ، وترك كثير من العلم الصحيح والثابت ، وذم سلف هذه الأمة وأئمتها ، وما كان ذلك إلا ليصدق النبى صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به من علامات آخر الزمان : من إعجاب كل امرئ برأيه ، وأن تصبح السنة بدعة ، والبدعة سنة ، وأن يلعن آخر هذه الأمة أولها ، وألا يتبع العالم ، ولا يسمع للحليم ، وكل هذا قد رأيناه مكتوبا فى الكتب والصحف ، وسمعناه فى الإذاعات والفضائيات وعم به البلاء ، وسرى إلى أبعد الناس عن العلم وصار الكل يريد أن يفتى بنفسه ، وسمعت بنفسى أكثر من مرة ممن لم ير بعينه صحيح البخارى قط ، ولم يشتغل بالعلم قط ومع هذا يقول : ((إن فى صحيح البخارى أحاديث ضعيفة)) ، فمن أضعنا من قلبه هيبة الصحيح لماذا نبكى عليه إذا فقد الثقة بالسنة كلها ، ومن أضعنا من قلبه هيبة الأئمة الأربعة ومذاهبهم فلا تأس عليه إن ترك الشريعة برمتها وراء ظهره . ثم يصرخ متمشيخو العصر بأن الناس باتوا لا يسمعون لأحد ، فأنتم أخرجتموهم من اتباع أكابر الأئمة الذين استقرت الثقة بهم على مدى قرون ، فهدمتم تلك الثقة بأيديكم ، فتريدون أن يتبعوكم ، لا والله .
ومن هنا كان مفهوم البدعة مفهوما خطيرا للغاية ، وأدى العبث به إلى زلزلة الناس فى كثير مما جرت عليه أمورهم مما كان مبنيا على علم صحيح ، وإن غاب أصله عنهم ، وكانت مجتمعات المسلمين مبنية بناء راسخا فى قيمها وأخلاقها وأعمالها على الكتاب والسنة وما استنبطه العلماء منهما ، وكان ذلك ساريا سريان الدماء بالعروق فى عادات الناس وتقاليدهم وثقافتهم ، فأتت الدعوات المستحدثة لتهز ذلك تحت دعوى التنقية والتجديد ونبذ التقليد وترك البدع – وهى كلمات حق أريد بها باطل – ولتضرب حضارتنا بأيدينا فى أسسها ، ثم هبطت الحضارة الغربية علينا لتطبق على بناء حضارى كاد يشيخ ، ولم تعد تحمله أسسه التى بنى عليها ، ولا استطاع مجددوه المزعومون أن يبدلوه أسسا أقوى أو أثبت مما كان عليها قائما .
على أن أئمة المذاهب الأربعة بنوا مفهومهم للبدعة على استقراء تام للكتاب والسنة ، وهكذا كانوا يفعلون فى كل اختياراتهم العلمية .
فقد اتفق العلماء المعتبرون من عهد الصحابة فمن بعدهم على أن من اخترع فى الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت إليه عملا بقوله صلى الله عليه وسلم ((من أحدث فى أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) ([1]) ، فإذا شهد أصل عام له ، لم يكن ببدعة ، وإن لم يرد فيه نص بخصوصه ، والوقائع من عهد النبى صلى الله عليه وسلم والصحابة متواترة على ذلك ، فمن ذلك حديث ((قد سن لكم معاذ فاقتدوا به إذا جاء أحدكم وقد سبق بشىء من الصلاة فليصل مع الإمام بصلاته فإذا فرغ الإمام فليقض ما سبق به)) ، فلو كان اجتهاد معاذ باطلا لأنكره عليه صلى الله عليه وسلم ، وكذلك زيادة التثويب فى أذان فجر كان باجتهاد بلال ، فأقره النبى صلى الله عليه وسلم وقال له : ((ما أحسن هذا يا بلال اجعله فى أذانك)) ([2]) ، وكذلك الدعاء بعد الرفع من الركوع كان من بعض الصحابة فأقره صلى الله عليه وسلم وقال له : ((لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول)) ، وما أنكر عليه أنه زاد دعاء فى الصلاة ، لأن الأصل العام يشهد باستحباب الدعاء فى الصلاة .
فهذه الأحاديث القولية وغيرها من الأحاديث والوقائع الواردة والتى خرجها الإمام السيوطى تصل إلى حد التواتر المعنوى ، والتى قررت أن كل ما شهد له أصل عام فى الشرع فليس ببدعة وإن لم يفعله النبى صلى الله عليه وسلم ، وأن هناك فرقا بين ما ورد عن النبى صلى الله عليه وسلم تركه ، وبين ما لم يفعله أصلا فينظر فيه حسب أصول الشرع وفروعه ، ومن هنا قال الإمام الشافعى وكفى به فهما واستقراء للكتاب والسنة : ((البدعة بدعتان بدعة محمودة وبدعة مذمومة ، فما وافق السنة فهو محمود وما خالف السنة فهو مذموم)) ، وقال أيضا : ((المحدثات : ضربان ما أحدث يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا فهذه بدعة الضلال ، وما أحدث من الخير لا يخالف شيئا من ذلك فهذه محدثة غير مذمومة)) . وقال الإمام المجتهد العز ابن عبد السلام : ((لله أحكام تحدث عند حدوث أسباب لم تكن موجودة فى الصدر الأول)) ، وقال الإمام النووى : ((قوله صلى الله عليه وسلم (وكل بدعة ضلالة) هذا عام مخصوص ، والمراد غالب البدع ، قال أهل اللغة : هى كل شيء عمل على غير مثال سابق . قال العلماء : البدعة خمسة أقسام واجبة ومندوبة ومحرمة ومكروهة ومباحة ، فمن الواجبة : نظم أدلة المتكلمين للرد على الملاحدة والمبتدعين وشبه ذلك ، ومن المندوبة : تصنيف كتب العلم وبناء المدارس والربط وغير ذلك ، ومن المباح : التبسط فى ألوان الأطعمة وغير ذلك ، والحرام والمكروه ظاهران . فإذا عرف ما ذكرته عُلِمَ أن الحديث من العام المخصوص ، وكذا ما أشبهه من الأحاديث الواردة ، ويؤيد ما قلناه قول عمر بن الخطاب رضى الله عنه فى التراويح : (نعمت البدعة) ، ولا يمنع من كون الحديث عاما مخصوصا قوله : (كل بدعة) مؤكدا بكل ، بل يدخله التخصيص مع ذلك كقوله تعالى {تدمر كل شيء} . . .)) . وقال الحافظ : ((التحقيق أن البدعة إن كانت مما تندرج تحت مستحسن فى الشرع فهى حسنة ، وإن كانت مما تندرج تحت مستقبح فى الشرع فهى مستقبحة وإلا فهى من قسم المباح وقد تنقسم إلى الأحكام الخمسة))([3]) .
النموذج الثانى : أخرج البخارى ومسلم وغيرهما على ما سيأتى فى مسند سهل بن سعد : ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب إلى بنى عمرو بن عوف ليصلح بينهم فحانت الصلاة فجاء المؤذن إلى أبى بكر فقال أتصلى للناس فأقيم ؟ قال نعم فصلى أبو بكر فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس فى الصلاة فتخلص حتى وقف فى الصف فصفق الناس وكان أبو بكر لا يلتفت فى صلاته فلما أكثر الناس التصفيق التفت فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن أمكث مكانك . فرفع أبو بكر رضى الله عنه يديه فحمد الله على ما أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك ، ثم استأخر أبو بكر حتى استوى فى الصف وتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى فلما انصرف قال : يا أبا بكر ما منعك أن تثبت إذ أمرتك . فقال أبو بكر ما كان لابن أبى قحافة أن يصلى بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم)) ، فقد استدل السادة الشافعية بصنيع أبى بكر وإقرار النبى صلى الله عليه وسلم له على تقرير قاعدة مهمة هى : ((التزام الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدم على امتثال الأمر)) ، والأحاديث فى ذلك متضافرة – ربما تصل إلى حد التواتر المعنوى - منها قصة صلح الحديبية وفيها ما يأتى فى مسند سلمة بن الأكوع تحت طرف ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عثمان بن عفان إلى أهل مكة ، فأجاره أبان بن سعيد بن العاص فحمله على سرجه وردفه حتى قدم به مكة ، فقال له : يا ابن عم أراك متخشعا ، اسبل كما يسبل قومك قال : هكذا يأتزر صاحبنا إلى أنصاف ساقيه ، قال : يا ابن عم طف بالبيت ، قال : إنا لا نصنع شيئا حتى يصنعه صاحبنا فنتبع أثره)) ، فترك سيدنا عثمان بن عفان طواف القدوم مع كونه مأمورا به التزاما للأدب معه صلى الله عليه وسلم أن يطوف قبله . وفى رواية لابن عساكر عن عروة بن الزبير – تأتى بتمامها فى مراسيله - : ((وقال المسلمون وهم بالحديبية قبل أن يرجع عثمان : خلص عثمان من بيننا إلى البيت فطاف به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أظنه طاف بالبيت ونحن محصورون . قالوا : وما يمنعه يا رسول الله وقد خلص . قال : ذاك ظنى به أنه لا يطوف بالكعبة حتى يطوف معنا فرجع إليهم عثمان . فقال المسلمون : اشتفيت يا أبا عبد الله من الطواف . فقال عثمان : بئس ما ظننتم بى فوالذى نفسى بيده لو مكثت بها مقيما سنة ورسول الله صلى الله عليه وسلم مقيم بالحديبية ما طفت بها حتى يطوف بها رسول الله صلى الله عليه وسلم)) ، وفى صلح الحديبية أيضا عند مسلم وغيره من حديث البراء على ما سيأتى فى مسنده : ((لما حُصر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البيت صالحه أهل مكة . . .)) وفيه : ((فقال صلى الله عليه وسلم لعلىٍّ : اكتب الشرط بيننا : بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله ، فقال المشركون : لو نعلم أنك رسول الله تابعناك ، ولكن اكتب محمد بن عبد الله ، فأمر عليًّا أن يمحوها فقال علىٌّ : لا والله لا أمحوها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أرنى مكانها فأراه مكانها فمحاها)) ، إلى غير ذلك من الوقائع .
فهؤلاء ثلاثة من الخلفاء الراشدين استفاد منهم السادة الشافعية وتابعهم كثير من العلماء المتأخرين من كافة المذاهب فى تقرير هذه القاعدة أن ((التزام الأدب مقدم على امتثال الأمر)) ، وهذا مسلك فقهى دقيق مبنى على فهم عميق واستقراء للكتاب والسنة ، وفرع الشافعية على ذلك مسائل منها استحباب السيادة عند ذكر اسم النبى صلى الله عليه وسلم مطلقا فى الأذان والإقامة والتشهد وغيرها ، على ما كان مستقرا فى ريف مصر لاستقرار المذهب الشافعى به . وهو نموذج جلى لمسالك العلماء فى فهم الشرع والبناء على الكتاب والسنة ، فلا هم يقولون برأيهم ، ولا يبتدعون فى دين الله ما لم ينزل به سلطانا .
ولكن ابتلينا فى أعصارنا المتأخرة بمن يجهل مسالك الصحابة والعلماء من بعدهم وطرائقهم فى الاستنباط ، ولا يسلم للكتاب ولا للسنة ولا للعلماء قياده ليعلموه ، رغم عريض دعاوى هؤلاء المتأخرين بالرجوع للكتاب والسنة ولكن دون فهم أو فقه ، تعريضا منهم بأن مذاهب الأئمة المتبعة كأنهم قالوها بأهوائهم وحاشاهم.
بل المذاهب الأربعة مبنية بناء رصينا على الكتاب والسنة ، وتلاقحت عليها عقول ألوف العلماء ، وما أُصِبْنَا بالاضطراب والتخبط اللذين نعيشهما الآن فى مجال الفتوى إلا بترك ما تهذبت أصوله وفروعه وشيد على الكتاب والسنة ، إلى شىء غير معلوم ولا معروف ولا مقرر ، وصار لكل متحدث مذهب([4]).
فى ضوء هذا الإطار الذى نرجو أن نكون قد نجحنا فى بيانه تأتى ترجمتنا لهؤلاء الأربعة : السيوطى ، والمتقى الهندى ، والمناوى ، والنبهانى . وأن نقرأ حياة هؤلاء بل حياة علمائنا جميعا ، وتاريخنا الإسلامى قراءة حقيقية مخلصة نزيهة .وختاما فهذه كلمة نقولها نصيحة لله ولرسوله وللمسلمين عامتهم وخاصتهم ، ندين الله بها ، ونسأله أن نحشر عليها ، وأن يدخلنا فى زمرة هؤلاء العلماء الذين هم على نهج واحد منذ عهد النبى صلى الله عليه وسلم وصحابته وإلى يومنا هذا – والذين نحبهم وإن لم نكن منهم – وأن يحشرنا جميعا تحت لواء حبيبنا صلى الله عليه وسلم ، فإن المرء مع من أحب ، وإن قصر عنهم .
([1]) وانظر أيضا : أطراف ((من سن . . .)) .
([2]) يأتى فى قسم الأقوال ، وفى مسند بلال .
([3])هذه خلاصة ما استقر عليه العلماء المعتبرون فى المذاهب جميعا ، وفى نصوصهم كثرة ، ولهذا سنقتصر على أهم المواضع عند عدة أئمة كبار يعرف قدرهم الجميع : الإمام الشافعى ، وسلطان العلماء الإمام المجتهد العز ابن عبد السلام ، والإمام النووى ، والحافظ ابن حجر العسقلانى ، والإمام السيوطى ، والإمام ابن حجر الهيتمى ، ثم نذكر أهم الرسائل التى ألفها العلماء المعتبرون والتى سيجد القارئ فيها بغيته من نصوص الأحاديث وكلام العلماء المتعلق بالباب :
أما الإمام الشافعى ، فأخرج كلامه الأول أبو نعيم فى الحلية ، (9/113) ، وأخرج الثانى البيهقى فى المدخل لمعرفة السنن (1/191) .
وأما الإمام العز ابن عبد السلام : فانظر ما ذكرناه ، وكلامه على تقسيم البدعة إلى ما دلت الشريعة على أنه مندوب وواجب ولم يفعل مثله فى العصر الأول فهذا بدعة حسنة . . . إلخ كلامه فى فتاويه : (ص 99 ، 144) ، وقواعد الأحكام أو القواعد الكبرى (ص 204 – 205).
وأما الإمام النووى : فانظر كلامه فى شرح مسلم (6/154-155) ، وتهذيب الأسماء واللغات (3/20-21) ، وانظر : تطبيقه لمفهوم البدعة على الصحيح المقرر عند العلماء فى فتاويه : المسائل (35 ، 41 ، 42 ، 43 ، 47 ، 49 ، 50 ، 53 ، 65 ، 66) .
وأما الحافظ ابن حجر ، فانظر كلامه فى فتح البارى : (4/253) ، وانظر أيضا : (1/85 ، 10/275 ، 11/55 ، 13/253 ، 254) .
وأما الإمام السيوطى فقد تكلم عن ذلك وقام بتطبيقه فى حسن المقصد فى عمل المولد ، وسيأتى الكلام عليه تحت عنوان : اختيارات الإمام السيوطى العلمية فى ترجمته .
وأما الإمام الفقيه شيخ الشافعية ابن حجر الهيتمى (ت 974 هـ) ، ففتاويه الكبرى ، والفتاوى الحديثية بها كثير من شواهد ذلك ، وانظر على سبيل الخصوص : الفتاوى الحديثية (ص 150 ، 280-281) .
فأما الرسائل المفردة : فمن أهم ما كتب مفردا فى الباب وأصل له من الناحية الأصولية والفقهية :
1- الباعث على إنكار البدع والحوادث للإمام العلامة أبى شامة (عبد الرحمن بن إسماعيل الشافعى ت 665 هـ) ، مصر : دار الهدى ، ط 1 ، 1398 هـ .
2- إتقان الصنعة فى تحقيق معنى البدعة ، ورسالة حسن الدرك لمسألة الترك ، لشيخنا شيخ الإسلام السيد عبد الله بن الصديق الغمارى ، مصر : مكتبة القاهرة ، د ت . وهناك عدة رسائل له مهمة فى هذا الصدد أيضا منها : الرد المحكم المتين ، وإعلام الراكع الساجد ، ومجموعة فتاويه ، وغيرها .
3- أحسن الكلام فيما يتعلق بالسنة والبدعة من الأحكام ، لشيخ الإسلام العلامة المجتهد محمد بخيت المطيعى ، ط مصر : جمعية الأزهر العلمية ، 1358 هـ .
4- السنة والبدعة ، للعلامة الشيخ عبد الله محفوظ محمد الحداد باعلوى الحضرمى ، قاضى حضرموت ، مصر : مكتبة المطيعى ، 1989 . وهو أوسع ما رأيته فى هذا الباب وأجمعه ذكر فيه ما يربو على (350) حديثا وأثرا .
ومن الرسائل التى فيها تطبيق فقهى عملى لمفهوم البدعة على ما قرروه :
5- إقامة الحجة على أن الإكثار فى التعبد ليس ببدعة ، للإمام اللكنوى ، بتحقيق الشيخ أبى غدة ، حلب : مكتب المطبوعات الإسلامية ، ط 3 ، 1419 هـ .
6- سباحة الفكر فى الجهر بالذكر ، للإمام اللكنوى ، بتحقيق الشيخ أبى غدة ، حلب : مكتب المطبوعات الإسلامية ، ط 3 ، 1408 هـ .
7- حكم الشريعة الإسلامية فى مأتم ليلة الأربعين ، وفيما يعمله الأحياء للأموات من الطاعات ، للعلامة الشيخ الفقيه حسنين مخلوف مفتى الديار المصرية الأسبق ، مصر : مصطفى الحلبى ، 1388 هـ .
8- مقالات العلامة الشيخ يوسف الدجوى أحد كبار علماء الأزهر الشريف ، والتى نشرها تباعا بمجلة الأزهر ، ثم قام مجمع البحوث الإسلامية بجمعها فى مجلدين ، وهى مقالات نفيسة فى بابها .
9- البراهين الساطعة فى رد بعض البدع الشائعة للعلامة الشيخ سلامة العزامى أحد كبار علماء الأزهر الشريف ، وهو من أهم ما كتب فى هذا الباب .
10- سعادة الدارين للعلامة المحقق الشيخ إبراهيم السمنودى ، وهو من أوسع وأفضل ما كتب فى الباب ، واستوعب فيه كثيرا مما أثاره متمشيخة العصر ، وقد طبع بمصر قديما (1319 هـ) ، وأصبح لا يكاد يعرفه أحد ، ثم أعيد طبعه قريبا فى الإمارات العربية : دار البحوث للدراسات الإسلامية ، وفى موريتانيا أيضا ، فجزى الله خيرا كل من أحيا علما صحيحا اندثر .
([4]) وانظر للتوسع : تشنيف الآذان بأدلة استحباب السيادة عند اسمه صلى الله عليه وسلم فى الصلاة والإقامة والأذان ، لخاتمة الحفاظ شيخ مشايخنا الحافظ أحمد بن الصديق الغمارى ، وإتقان الصنعة فى معرفة معنى البدعة لشيخنا شيخ الإسلام عبد الله بن الصديق الغمارى ، كلاهما طبع بمصر بمكتبة القاهرة .